الصفحة 64 من 82

الفصل الرابع

العلاقة بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت

المبحث الأول: حقيقة الإيمان في اللغة والشرع

قال ابن فارس (أمن) الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة ومعناها سكون القلب، والآخر: التصديق .... وأما التصديق فقول الله (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا) أي مصدق لنا [1] .

وقال الأزهري"وأما الإيمان فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن"، واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق، وقال الله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا) [2] ، وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهمه وأين ينفصل المؤمن من المسلم، وأين يستويان. فالإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وبه يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان الذي يقال للموصوف به هو مؤمن مسلم، وهو المؤمن بالله ورسوله غير مرتاب ولا شاك، والذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب فهو المؤمن وهو المسلم حقًا كما قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [3] أي أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون فهم الصادقون. فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم وباطنه غير مصدق، فذلك الذي يقول أسلمت، لأن الإيمان لا بد من أن يكون صاحبه صدّيقًا لأن قولك آمنت بالله أو قال قائل آمنت بكذا أو كذا فمعناه صدقت فأخرج الله تعالى هؤلاء من الإيمان فقال (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [4] أي لم تصدقوا إنما استسلمتم تعوذًا من القتل، فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التام الإسلام مظهر الطاعة مؤمن بها.

والأصل في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدق بلسانه فقد أدى الأمانة وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤد للأمانة التي ائتمنه الله عليها وهو منافق ... وفي قول الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [5] ما يبين لك أن المؤمن هو المتضمن لهذه الصفة وأن من لم يتضمن هذه الصفة فليس بمؤمن لأن"إنما"في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء ونفي ما خالفه .. وقال النضر"قالوا للخليل ما الإيمان فقال الطمأنينة"، وعن اللحياني الإيمان الثقة [6] . وقال ابن منظور والإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب، يقال آمن به قوم وكذب به قوم ... قال الزجاج صفة المؤمن بالله أن يكون راجيًا ثوابه خاسيًا عقابه [7] . وفي ترتيب القاموس"والإيمان الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة" [8] .

وأما الإيمان في الشرع فهو شامل للدين كله كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم"الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" [9] ، وقال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس"أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس ... الحديث" [10] .

قال البخاري في صحيحه باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له ثم قال"... جاء جبريل عليه السلام يعلمكم دينكم"، فجعل ذلك كله دينًا وما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) [11] ، وروى بسنده عن أبي هريرة قال"كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس فأتاه رجل فقال ما الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث، قال ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان، قال ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال متى الساعة قال ما المسئول بأعلم من السائل وسأخبرك عن"

(1) معجم مقاييس اللغة 1/ 133.

(2) الحجرات: 14.

(3) الحجرات: 15.

(4) الحجرات: 14.

(5) الحجرات: 15.

(6) تهذيب اللغة 15/ 512.

(7) لسان العرب 13/ 21.

(8) ترتيب القاموس 1/ 182.

(9) صحيح البخاري 1/ 8.

(10) صحيح البخاري 1/ 19.

(11) آل عمران: 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت