فهرس الكتاب
إن الله تبارك وتعالى وضح علاقة الكفر بالطاغوت بالإيمان بالله تعالى في قوله (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [1] ، فقد بين الله بأن المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي جمع بين الإيمان بالله والكفر بالطاغوت. يقول ابن الجوزي"قوله تعالى (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) هذا مثل للإيمان شبه التمسك به بالتمسك بالعروة الوثيقة، وقال الزجاج"معنى الكلام فقد عقد لنفسه عقدًا وثيقًا" [2] . وقال ابن جرير الطبري"والعروة في هذا المكان مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن فشبهه في تعلقه به وتمسكه به بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته، وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله من أوثق عرى الأشياء بقوله الوثقى، فعُلى من الوثاقة يقال في الذكر هو الأوثق وفي الأنثى هي الوثقى كما يقال فلان الأفضل وفلانة الفضلى" [3] ."
ونقل الطبري بسنده عن مجاهد بأن المراد بالعروة الوثقى الإيمان، وعن السدي الإسلام، وعن ابن جبير والضحاك لا إله إلا الله. وهذه التفاسير عن السلف لا اختلاف بينها فإن الإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، والإسلام إذا أطلق شمل الإيمان كما تقدم ولا إله إلا الله هي أصل الإسلام والإيمان، وكما جمع الله بين اشتراط الإيمان بالله والكفر بالطاغوت في التمسك بالإسلام والإيمان ولا إله إلا الله فقد جمع الله بين اشتراط الإيمان والعمل الصالح في النجاة من عذاب الله كما في قوله عز وجل (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [4] ، وقوله (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [5] ، وقوله (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى) [6] . ونظائر هذا في القرآن كثير وشبيه بالآيات المتقدمات قوله تعالى (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [7] .
(1) البقرة: 256.
(2) زاد المسير 1/ 306.
(3) تفسير ابن جرير 3/ 14.
(4) المائدة: 69.
(5) الأنعام: 48.
(6) الكهف: 88.
(7) لقمان: 22.