فهرس الكتاب
وهذه الآيات المتقدمات دلت على اشتراط العمل مع الإيمان، كما دلت آية البقرة على اشتراط الكفر بالطاغوت مع الإيمان فإذا فقد جنس العمل بطل الإيمان وإذا فقد الكفر بالطاغوت بطل الإيمان [1] . وبهذا يكون الكفر بالطاغوت ركنًا للإيمان بالله تعالى وإذا انهدم هذا الركن انهدم الإيمان، ومما يدل على هذا قوله تعالى (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [2] ، فالمراد التوبة من عبادة كل معبود سوى الله وتركها، وهذا هو معنى الكفر بالطاغوت فلو أن كافرًا استمر على كفره ولم يتب منه وتلفظ بلا إله إلا الله وأقام الصلاة فإنه لا يخلى سبيله لأنه ما كفر بالطاغوت ولا تاب من عبادة غير الله، يقول ابن جرير (فإن تابوا يقول فإن رجعوا عما هم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأقاموا الصلاة يقول وأدوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها فخلوا سبيلهم. يقول فدعهم يتصرفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام إن الله غفور رحيم لمن تاب من عباده ... وروى بسنده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئًا فارقها والله عنه راض"، قال وقال أنس هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله(فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [3] ، قال توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [4] [5] .
ولذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام بأنه ما اجتمع فيه عبادة الله وترك الشرك به كما في حديث أبي هريرة"... قال يا رسول الله ما الإسلام، قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" [6] ، قال النووي"وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تشرك به فإنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه وتعالى في الصورة ويعبدون معه أوثانًا ويزعمون أنها شركاء فنفى هذا والله أعلم" [7] .
(1) انظر قضية اشتراط حسن العمل في الإيمان في كتاب الصلاة لابن القيم ص25 وما بعدها.
(2) التوبة: 5.
(3) التوبة: 5.
(4) التوبة: 11.
(5) تفسير الطبري 6/ 56.
(6) مسلم مع النووي 1/ 162.
(7) المصدر السابق.