الصفحة 69 من 82

قلت فالعبادة ذكرت في الحديث مقابل الإيمان بالله في آية البقرة والنهي عن الشرك ذكر في مقابلة الكفر بالطاغوت والاستمساك بالعروة الوثقى ذكر في مقابلة الإسلام، فلا إسلام مع عبادة خالطها الشرك ولا استمساك بالعروة الوثقى مع إيمان خالطه الإيمان بالطاغوت، فاشتراط الكفر بالطاغوت مع الإيمان كاشتراط ترك الشرك مع العبادة، واشتراط ترك الشرك مع العبادة ذكر في آيات وأحاديث كثيرة كقوله تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ) [1] ، وكقوله (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [2] ، وكقوله (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) [3] .

وأما الأحاديث فكحديث الأعرابي الذي عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال"يا رسول الله أو يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار، قال فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال لقد وفق أو لقد هدي، قال كيف قلت قال فأعاد فقال النبي صلى الله عليه وسلم تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة" [4] . ونظائره في السنة كثير ومن أصرحها قول الرسول صلى الله عليه وسلم"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" [5] . وهذا نص صريح في أن حرمة المال والدم متوقفة على قول لا إله إلا الله والكفر بما يعبد من دون الله فلا إله إلا الله في مقابل الإيمان في آية البقرة والكفر بما يعبد من دون الله في مقابل الكفر بالطاغوت، وعصمة الدم والمال في مقابل الاستمساك بالعروة الوثقى، فظهر أن الكفر بالطاغوت ركن الإيمان الذي ينهدم الإيمان بفقده وهذا أيضًا مثل قوله تعالى (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ) [6] .

فإن اجتناب عبادة الطاغوت مقابل الكفر بما يعبد من دون الله والإنابة إلى الله في مقابل من قال لا إله الله وعصمة الدم والمال بالإسلام في مقابل لهم البشرى. ومثل هذا قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [7] ، فإن الذي وليه الطاغوت بمعنى أنه محبوبه ونصيره فإنه غير كافر به وإذا لم يكفر به فإنه يخرجه من النور وهو في مقابل الإسلام إلى الظلمات وهو في مقابل الكفر والدليل على هذا أنه خالد في النار ولا يخلد فيها إلا الكافر، فظهر أن من والى الطاغوت فقد هدم الإيمان وهدمه للإيمان بهدم ركنه وهو الكفر بالطاغوت ولا يمكن أن يجتمع الكفر بالطاغوت ومحبته ونصرته كما هو ظاهر في الآية الكريمة، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب عند تفسيره للتوحيد وذكر أمورًا منها آية البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) [8] ، ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [9] ، وذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا ولم يدخلهم في الإسلام فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله، فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله، وفي قوله صلى الله عليه وسلم"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"، وهذا من أعظم ما يين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها وياله من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع" [10] ."

قلت فهذا مما يوضح أن معنى الكفر بما يعبد من دون الله يعني الكفر بالطاغوت وأن ما تنفيه لا إله إلا الله هو عبادة الطاغوت وهو الشرك، وإذا كان الأمر كذلك فالكفر بالطاغوت من أعظم أركان الإيمان الذي أساسه وأصله شهادة أن لا إله إلا الله كما تقدم في حديث وفد عبد القيس الذي جاء فيه"أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله ... الحديث" [11] والتي يعبر عنها بالتوحيد ويعبر عنها بإفراد الله بالعبادة كما في حديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى .... الحديث" [12] ."

قال الشيخ الغنيمان في شرح هذا الحديث"قوله فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى اللام للأمر وإذا اقترنت بالفاء أو الواو فهي ساكنة في الغالب الأكثر، وقوله"إلى

(1) الرعد: 36.

(2) الأنعام: 151.

(3) آل عمران: 64.

(4) صحيح مسلم مع النووي 1/ 73.

(5) المصدر السابق

(6) الزمر: 17.

(7) البقرة: 257.

(8) البقرة: 165.

(9) البقرة: 167.

(10) مؤلفات ابن عبد الوهاب- القسم الأول- العقيدة ص25.

(11) صحيح البخاري 1/ 8.

(12) صحيح البخاري 8/ 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت