الصفحة 12 من 15

بهذا يظهر أنه لا حجة لهم في الآية ولا في الحديث، لاختلاف حالتهم من الحالة التي تدلان عليها، إذ كانوا هم الجانحين للسلم، وليس ذلك لمصلحة الدين وتعظيم حرمات الله، بل للإبقاء على معاشهم ومصالحهم الخاصة.

أما الإمام المسلم؛ فله أن يصالح للمصلحة - حكاه النووي إجماعا [انظر صحيح مسلم شرح النووي: ج12/ص123] -

ونقول للطائفة الثانية:

أن عملكم هذا خلاف ما سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن قتال الكفار مطلوب، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان بين الكفار؛ بيّن لهم الحق وتحمل الأذى في ذلك، وصبر وصبّر أصحابه.

ما في البخاري من حديث خباب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألأ تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: (لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) [الفتح: ج6/ص619، و ج7/ص164] .

فانظر إلى هديه صلى الله عليه وآله وسلم؛ صبّرهم، وضرب لهم الأمثلة بمن قبلهم، فلم يثبطهم، ولم يدفع بهم للمواجهة في هذه الحالة، ولكنه أخبرهم عن هذا الأمر وظهوره.

وهذا قد بينه ابن القيم في النونيه قال:

وإذا هم حملوا عليك فلا تكن فزعا لحملتهم ولا بجبان

واثبت ولا تحمل بلا جند فما هذا بمحمود لدى الشجعان

فإذا رأيت عصابة الإسلام قد وافت عساكرها مع السلطان

فهناك فاخترق الصفوف ولا تكن بالعاجز الواني ولا الفزعان

وقال الله لرسوله كما في صحيح مسلم: (استخرجهم كما استخرجوك، وجاهد بمن أطاعك من عصاك) .

فظهر أنه إذا وجدت الطاعة بعد تميز عصابة الإسلام؛ فهناك يكون القتال، وهذا معنى البيث الثالث والرابع من كلام ابن القيم رحمه الله.

والطائفة الثالثة: قالت بالحق واستقامت عليه، وما وهنوا وما استكانوا، واستيقنوا بوعد الله، قال الله فيهم: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} .

يقول الإمام أحمد رحمه الله: (إذا سكت العالم تقية والجاهل يجهل؛ فمتى يتبين الحق؟!) .

وإليك الحديث الذي في البخاري في غزوة أحد، بعدما أصيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

(أشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: أعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، فقالوا ما نقول؟ قال: قولوا؛ الله أعلا وأجل) .

فانظر يا أخي؛ ففي البداية أمرهم وأرشدهم إلى السكوت والاختفاء بقوله: (لا تجيبوه) ، ثم أخيرا بعد كلام عمر، أمرهم وأرشدهم إلى الإجابة وأن يجيبوه بعزة وثبات من غير خضوع ولا مسكنة.

فقال أبو سفيان: (لنا العزى لا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أجيبوه، قولوا؛ الله مولانا لا مولى لكم، فقال أبو سفيان: تجدون في القوم مُثلة لم آمر بها ولم تسؤني) .

وهذا شبيه بحال بعض الناس، فإنه لو لم يعن الظلمة على أهل الخير فإنه لا يستاء بما وقع لهم منهم.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت