وإليك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ولنا الجنة) [متفق عليه] .
فالشاهد من الحديث قوله: (وأن نقول بالحق حيثما كنا) ، فبالله عليك كم كان عدد المسلمين حين ذلك، وتحت حماية أي الدول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب: أنهم كانوا قوما لا عدد لهم ولا عدة، بل كانوا تحت العذاب والتشريد، ولم يرخص لهم في السكوت، لأن الدين لا يظهر إلا بالبيان، ومع البيان والتصريح بالعداوة يكون الإيذاء والإخراج، كما قال ورقة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه لا يأتي أحد بمثل ما جئت به إلا عودي) [رواه البخاري] .
فالناس انقسموا حيال ذلك إلى ثلاث طوائف:
إحداها؛ تدعو للسلم والسكوت عنهم وعدم إظهار العداوة، وهذا خلاف السنة ولكن مع الأسف فهذا يعيش عليه أكثر من ينتسب إلى الدين.
وطائفة؛ تتسرع وتنادي بالقتال، وهم بين ظهراني أهل الباطل، وقد أخطأت السنة.
وحجة الطائفة الأولى قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ، وكذلك بصلح الحديبية.
أما الآية؛ فبينتها آية القتال، وهي بقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} .
وإليك الجمع بين الآيتين ...
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: (واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال إن أحدهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان، وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى، فالنهي في آية القتال في قوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} ، إنما هو عن الابتداء بطلب السلم، والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال؛ محله فيما إذا بدأ الكفار بطلب السلم والجنوح له، كما هو صريح قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ) .
فبان لنا ما تنزلت عليه الآيتان، والسنة تبين ذلك.
وإليك ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار في صلح الحديبية، لقصة بطولها في صحيح البخاري؛ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب.
والشاهد من ذلك:
1)أن الرسول صلى الله عليه وسلم - لما بلغه أنهم جمعوا جموعهم واستعانوا بحلفائهم لصده - استشار أصحابه في أن يميل على ذراري وأموال من ساعدوا قريشا على حربه، فأشار أبو بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمضي فيما خرجوا من أجله - وهو زيارة البيت - فإن اعترضوهم دونه قاتلوهم.
2)بعد عزمهم على ذلك؛ ظهرت لهم آية تبين لهم عدم الإذن لهم بما عزموا عليه من القتال، وهي بروك راحلته صلى الله عليه وسلم، الذي أخبر بأنه حبسٌ من الله للناقة كما حبس الفيل عن مكة.
3)لما تبين لهم ذلك قال: (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) .
4)عرض عليهم أن يعاهدهم عهدا، شريطة أن يخلّوا بينه وبين الناس، فإن لم يفعلوا قاتلهم، قال: (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره) .
فظهر مما سبق أنه صلى الله عليه وسلم عزم على الفتك بمن أعان عدوه، إلا أن أبا بكر أشار عليه بالمضي في قصده الأول ثم على قتالهم أن صدوه، حتى ظهر له أمر الله.
وأن الذي حمله على مسالمتهم؛ هو تعظيم حرمات الله، ومع ذلك اشترط أن يخلوا بينه وبين الناس، فهو لم يصالح جميع الكفار، بل سد عنه ناحية ليتفرغ للأخرى.
وهذه الهدنة لم تغير شيئا مما كانوا عليه من عداوة الكفار، بل لم تزل تلك العداوة بادية من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، حتى أن بلالا رضي الله عنه واجه بذلك رئيس قريش عندما جاء ليمدد الصلح - وهو أبو سفيان - فقالوا له: (ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها) ، فقال أبو بكر: (أتقولون هذا لسيد قريش؟) ، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له: (لعلك أغضبتهم، فإن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك) [رواه مسلم] .