فِيمَ كُنْتُم
حِزْبُ الله أمْ حِزْبُ الشَّيْطَان
للشيخ
محمد عبد الهادي المصري
حفظه الله
الطبعة الأولى
1996م - 1416 هـ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. أما بعد.
فقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يقيموا الدين؛ فقال سبحانه وتعالى: {أن أقيموا الدين} [الشورى: 13] ، أي حافظوا على الدين: وهو توحيد الله وطاعة رسوله وقبول شرائعه، ولا تختلفوا في هذا الأصل العام، فتأتوا ببعض وتتركوا بعضًا؛ بل اثبتوا على منهج الله وقوموا بتكاليفه، ولا تنحرفوا عنه، ولا تلتووا به، ولا تلتفتوا إلى أهواء المختلفين؛ وقفوا صفًا واحدًا تحت راية واحدة.
الله سبحانه وتعالى يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو، وإن شريعته التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها، هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضى بها الحكام.
إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي .. ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان: أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه، أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع الله، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟
إنها قضية الألوهية والعبودية؛ قضية الجاهلية أو الإسلام؛ قضية الكفر أو الإيمان.
الله سبحانه وتعالى يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر، ولا ترخص في شيء منه، ولا انحراف عن جانب ولو صغير؛ وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل، أو لما اصطلح عليه قبيل، مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير.
والله سبحانه وتعالى يقول: إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر، أو إسلام أو جاهلية، وشرع أو هوى؛ وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفًا ولا يبدلون منه شيئًا - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
إن أخص خصائص الألوهية، هي الحاكمية؛ والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها؛ فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله.
والجاهلية ليست فترة تاريخية، إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام .. وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة. ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس .. فكلها. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله أهواء.
وبالرغم من وضوح الحق في هذا الأمر؛ سواءً في جانبه النظري التصوري، أو في جانبه العملي الواقعي. وبالرغم من التكليف الواضح الصريح من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين بإقامة الدين؛ فإن كثيرًا من المؤمنين"الملتزمين"قد غاب هذا الهم عن حياتهم؛ سواءً في جانبه النفسي أو الشعوري، أم في جانبه العملي الإجرائي الذي يصب في اتجاه إعادة إقامة دين الله عز وجل في الأرض بعد أن قام الطواغيت وشياطينهم بتعطيل حكم هذا الدين في حياة الناس والهم الذي نعنيه هنا هو الهم الممدوح في الشرع، المرغب فيه، والذي يثاب عليه صاحبه؛ الهم الفطري الذي يثور تلقائيًا في نفس المسلم الصادق تجاه قضايا هذا الدين وتجاه قضايا إخوانه المسلمين؛ الهم الذي عبر عنه الحديث النبوي الشريف [من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم] .
كلامنا إذن ليس عن النوع الآخر من الهم، وهو الهم المذموم في الشرع، والذي يتراكم على الإنسان بمشكلات الحياة، فيثقل نفسه بالكآبة والحزن، ويُقعد بدنه عن السعي والحركة الإيجابية. هذا الهم الذي استعاذ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه المأثور [اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن] .