الصفحة 2 من 86

يبدو أن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية؛ أو لاستنكار انحلال أخلاقي؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية، وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر؛ وهو قيام الحياة على غير التوحيد، أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية بل يهللون ويفرحون لأي بادرة خير يتفضل بها الطواغيت المبدلون لشرع الله مثل تحريم الخمور في بعض الأماكن أو توزيع بعض الإعانات على الأيتام والفقراء أو تخصيص برامج إذاعية وتلفزيونية للقرآن الكريم وإجراء مسابقات دينية، بل يسارعون في مدح هؤلاء الطواغيت على تلك الأعمال بتأويلات فاسدة لحديث [لا يشكر الله من لا يشكر الناس] .

إن الله عز وجل قبل أن يوصي الناس أي وصية، أوصاهم ألا يشركوا به شيئًا .. إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط؛ وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية؛ فلا تظل نهبًا لريح الشهوات والنزوات، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات.

إن إقامة حكم الله في الأرض؛ بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة؛ وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده؛ وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية: كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان؛ لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتاريخ هذا الدين على مر الأجيال!

إن هذا الإعلان العام لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًا فلسفيًا سلبيًا .. إنما كان إعلانًا حركيًا واقعيًا إيجابيًا. إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك .. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل"الحركة"إلى جانب شكل"البيان".. ذلك ليواجه"الواقع"البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

والواقع الإنساني؛ أمس واليوم وغدًا؛ يواجه هذا الدين- بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله بعقبات اعتقادية تصورية، وعقبات مادية واقعية .. عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية؛ إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة .. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد ..

وإذا كان"البيان"يواجه العقائد والتصورات؛ فإن"الحركة"تواجه العقبات المادية الأخرى، وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة ..

وهما معًا - البيان والحركة - يواجهان"الواقع البشري"بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته .. وهما معًا لابد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض .."الإنسان"كله في"الأرض"كلها ..

ولكن ما هي"الحركة"المطلوبة لمواجهة هذا"الواقع البشري"المحيط لتحويله من واقع متمرد على دين الله إلى واقع مقيم لدين الله في الأرض؟ إن"الحركة"المطلوبة هنا هي الحركة الإيجابية المنطلقة في"الاتجاه الصحيح"في إطار"العمل الجماعي"الذي ينظم طاقات أفراده محافظًا على هذه الطاقات من التشتت في اتجاه أهداف فرعية أخرى صغيرة بعيدًا عن هذا الهدف الأول والأصلي الذي يجب أن تجتمع عليه الجماعة المسلمة. إنها الحركة"الإيجابية المنضبطة"في إطار"الجماعة العاملة"في"الاتجاه الصحيح"من خلال مد الجسور والتنسيق والتشاور مع كل التجمعات التي تحمل هذا الفهم الصحيح وتعمل في نفس الاتجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت