الصفحة 3 من 86

على الشخص"الملتزم"إذن و"الواعي"بحقائق هذا الدين التصورية النظرية وبحقائق الواقع المحيط العملية الواقعية، أن يستجمع هو أيضًا أمام هذا الواقع كل قواه وطاقاته العقلية والفكرية والنفسية والروحية والبدنية والمادية ويشحذها كلها في اتجاه تحقيق الهدف الأول والأساسي والأصلي وهو إقامة دين الله في الأرض.

"لقد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"هكذا فهم ربعي بن عامر (رضي الله عنه) رسول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إلى كسرى وفهم المسلمون الأوائل دورهم ورسالتهم في هذه الحياة. فهموا أن كل عبادة فردية أو جماعية هي مطلوبة لذاتها؛ نعم؛ ولكنها ليست هي نهاية الطريق بل هي الإعداد والتربية لتحمل الأمانة الكبرى, أمانة إقامة دين الله في الأرض، فمن نكث عن حمل هذه الأمانة فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.

ليس هذا معناه أن المسلم"الملتزم"لا يشارك في أية أعمال إيجابية أخرى تخدم أي فرع من فروع هذا الدين أو أي هدف من أهدافه النبيلة، إذا دُعي إلى ذلك وكان ذلك في حدود طاقاته، لكن دون أن يصرفه هذا عن أصل قضيته فيعطله أو يشتته عن الوفاء بالتزامه الأول وهدفه الرئيسي، أو يستدرجه بعيدًا عن هذا الهدف مستغرقًا إياه في أهداف أخرى جانبية.

إن من عزم على الخروج إلى الحج مثلًا وصدقت إرادته، سيأخذ حتمًا بالأسباب التي تمكنه من الوصول إلى عرفة والوقوف به يوم التاسع من ذي الحجة، وسوف يلاقي في خروجه إلى الحج معوقات كثيرة، وقد يجد في طريقه أبوابًا للخير كثيرة مثل زيارة بعض الأقارب أو مساعدة محتاج أو حضور حلقة من حلقات العلم، لكن هل سيصرفه ذلك عن الهدف الأساس الذي خرج من أجله وهو الوصول إلى عرفة يوم التاسع من ذي الحجة؟

وإن الذي خرج في سرية مجاهدة تصد غزو الكفار لديار المسلمين مستحلين لدماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وذرياتهم وحرماتهم؛ إن الذي خرج لتحقيق هذا الفرض العيني هل يجوز أن يصرفه في طريقه إلى ذلك أية شواغل أخرى مهما كان نبلها وخيريتها؛ وهل ينسل خارجًا عن الجماعة المجاهدة ليتفرغ هو لمساعدة المحتاجين أو لإرشاد التائهين أو لتعليم الجاهلين الذين قد يلقاهم في الطريق؟

إن هذا الدين يهدف إلى بناء أمة تقوم على أمانة هذا الدين في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس. ولم يكن بد أن يبني نفوسها أفرادًا ويبنيها جماعة ويبنيها عملًا واقعًا. كلها في آن واحد. فالمسلم لا يبني فردًا إلا في جماعة لا يتصور الإسلام قائمًا إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط، وذات نظام، ذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها. هو إقامة هذا المنهج في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي.

والإسلام على شدة ما عني بالضمير الفردي وبالتبعة الفردية، ليس دين أفراد منعزلين، كل واحد منهم يعبد الله في صومعة .. إن هذا لا يحقق الإسلام في ضمير الفرد ذاته، ولا يحققه بطبيعة الحال في حياته. ولم يجيء الإسلام لينعزل هذه العزلة إنما جاء ليحكم حياة البشرية ويصرفها؛ ويهيمن على كل نشاط فردي وجماعي في كل اتجاه. والبشرية لا تعيش أفرادًا، إنما تعيش جماعات وأممًا والإسلام جاء ليحكمها وهي كذلك. وهو مبني على أساس أن البشر يعيشون هكذا. ومن ثم فإن آدابه وقواعده ونظمه كلها مصوغة على هذا الأساس وحين يوجه اهتمامه إلى ضمير الفرد فهو يصوغ هذا الضمير على أساس أنه يعيش في جماعة وهو والجماعة التي يعيشون فيها يتجهون إلى الله، ويقوم - فيها - على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس.

ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي - أو جماعة مسلمة - ذات قيادة مطاعة هي قيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذات التزامات جماعية بين أفرادها، وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعي فيها - في الوقت ذاته - حياة هذه الجماعة. وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدنية. بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت