إنها ضرورة - وليست نافلة - أن تقوم جماعة مسلمة، تتواصى بالإسلام، وتحتضن فكرته وأخلاقه وآدابه وتصوراته كلها، فتعيش بها فيما بينها، وتعيش لها تحرسها وتحميها وتدعو إليها، في صورة واقعية يراها من يدعون إليها من المجتمع الجاهلي الضال ليخرجوا من الظلمات إلى النور بإذن الله إلى أن يأذن الله بهيمنة الإسلام. حتى تنشأ في ظله الأجيال، في حماية من الجاهلية الضاربة الأطناب.
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق .. إنه الوسط الخاص الذي يعيش فيه التصور الإسلامي بكل قيمه الخاصة عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص .. وسط غير الوسط الجاهلي؛ وبيئة غير البيئة الجاهلية.
إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد؛ إنما يتحرك ككائن عضوي، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه فهم بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا .. ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى - مجتمع عضوي حركي متناسق متكامل متعاون يتجمع في ولاء واحد - فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله، ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد.
هذه هي الصورة الحقيقية التي يتمثل فيها الإيمان .. هذه هي صورة النشأة الحقيقية والوجود الحقيقي لهذا الدين .. إنه لا يوجد حقيقة بمجرد إعلان القاعدة النظرية؛ ولا مجرد اعتناقها؛ ولا حتى بمجرد القيام بالشعائر التعبدية فيها .. إن هذا الدين منهج حياة لا يتمثل في وجود فعلي إلا إذا تمثل في تجمع حركي .. أما وجوده في صورة عقيدة فهو وجود حكمي، لا يصبح (حقًا) إلا حين يتمثل في تلك الصورة الحركية الواقعية.
{والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم} وصدق الله العظيم.
إن أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية اليوم، هو الجهل والغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله، ومدلول إقامة الدين، ومدلول الإسلام في جانب؛ وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر.
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين وطريق المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين، والتباس الأسماء والصفات، والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق!
ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة؛ فيعكفون عليها توسيعًا وتمييعًا وتلبيسًا وتخليطًا، حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام .. ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم، لا إلا قول الله ولا إلى قول رسول الله!
هذه هي المشقة الكبرى .. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لابد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل! يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين. ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة، وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف، وألا تقعدهم عنها لومة لائم، ولا صيحة صائح.
إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون! إن الإسلام بيّن والكفر بيّن .. الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي: الله وحده هو خالق هذا الكون المتصرف فيه؛ والله وحده هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله؛ والله وحده هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كلها ومن لم يشهد أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم.