الصفحة 5 من 86

وعلى أصحاب الدعوة إلى إقامة دين الله في الأرض أن يجتازوا هذه العقبة؛ وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة، كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة، ولا يعوقها غبش، ولا يميعها لبس. فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان؛ فإن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق، ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل وأنه يسلك سبيل المجرمين.

إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام. بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة .. بل إن شريعته هي عقيدته .. إذ هي الترجمة الواقعية لها.

وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم"الدين"في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة، بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة، حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة ولا يعتبرون المروق منها مروقًا من الدين، كالذي يمرق من عقيدة أو حتى عبادة بينما هذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة. إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة، قرونًا طويلة، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة، حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين!

إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك .. إن هؤلاء لا يعرفون حقيقة هذا الدين. إن منهج الإسلام الذي طبقه رسل الله لم يغفل عن تزكية المجتمع وتطهيره من الانحرافات الخلقية والنفسية والمالية ولكنه كان يسعى قبل هذه الخطوة وكذلك مقترنًا بها إلى تطهير المجتمع من أصل الانحراف وهو الشرك بالله وجعل الحكم والسيادة لغير شرع الله وحده.

لقد كان واضحًا منذ اللحظة الأولى كيف تعامل الإسلام مع الأنظمة والدول التي الحكم فيها لله وحده والولاء فيها على أساس الإسلام وفيها انحرافات جزئية لا تهدم أصل الإسلام وبين تلك التي لا تدين ابتداءً لحاكمية الله وحده والتي يقوم الولاء فيها على غير الإسلام والتي لا مشروعية لها أصلًا: وفي مقابل هذا المنهج نجد بعض المتحمسين لهذا الدين اليوم يشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون، أو هذا الإجراء، وهذا القول منطبقًا على شريعة الله أو غير منطبق .. وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك .. كأن الإسلام كله قائم، فلا ينقص وجوده وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات.

هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون؛ بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية .. إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية. شهادة بأن هذا الدين"قائم"فيها، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات. بينما الدين كله متوقف عن"الوجود"أصلًا، ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد.

هؤلاء"المتحمسون"لهذا الدين، الذين يفرغون جهدهم في استنكار جزئيات على هامش الحقيقة الإسلامية - لا تروق لهم في ظل هذه الأوضاع الجاهلية المشركة المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة - هؤلاء"المتحمسون"بهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام، ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقًا، ولكنها تخالف عنه في هذه الجزئيات.

ويؤدي هؤلاء"المتحمسون"دورهم لتثبيت هذه الأوضاع وتزكيتها وهو نفس الدور الذي تؤديه الأجهزة الدينية المحترفة، التي تلبس مسوح الدين وإن كان الإسلام بالذات لا يعرف المسوح ولا ينطق باسمه كاهن ولا سادن!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت