الصفحة 6 من 86

لقد غفل هؤلاء المتحمسون عن حقيقة النفاق والمنافقين الذين قال الله فيهم {هم العدو فاحذرهم} وأن هذه الأجهزة الدينية والبرامج والقنوات الفضائية الدينية ما هي إلا جزء من وسائلهم الخبيثة الحديثة للتترس وراءها لرمي هذا الدين وسحقه في غفلة عن المسلمين. تلك المجهودات والأجهزة المشبوهة التي يديرها الزنادقة عملاء اليهود والنصارى لتخدير المسلمين القلقين على دينهم الذين يرون الإسلام يذبح فتخدرهم هذه الفضائيات إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق وتسحبهم بعيدًا عن أصل دينهم الحق وحقيقة صراعه مع الباطل وتشوش على ثوابت الإسلام وجذور المشكلة بتفريعات لا أول لها ولا آخر ولقد نجحت هذه القنوات والبرامج والأجهزة في استقطاب كثير من العلماء والمشايخ من خلال نفس المنزلق الذي حاول المنافقون استخدامه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي في مسجدهم الضرار قبل أن يفضحهم الله ويفضح حقيقة سعيهم ومكرهم عندما تفتق ذهن شياطين المنافقين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرروا بناء مسجد الضرار تفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، جاءوا إليه - صلى الله عليه وسلم - وسألوه أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم فيحتجوا بصلاته فيه على فضله وإثبات مشروعيته ولكن الله عصمه من الصلاة فيه ونزل جبريل عليه السلام يفضح مخطط المنافقين فما تردد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يبعث إلى ذلك المسجد من يهدمه [1] .

هذا المسجد الضرار الذي ما هو إلا مكيدة للإسلام والمسلمين لم يرد به إلا الإضرار بالمسلمين وستر المتآمرين على الجماعة المسلمة الكائدين لها في الظلام المتعاونين مع أعداء هذا الدين. هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة الحديثة التي يتخذها أعداء هذا الدين في صور أنشطة ظاهرها الإسلام وباطنها سحق الإسلام من جذوره.

لو كانت الدعوات سهلة ميسورة تسلك طرقًا ممهدة مفروشة بالأزهار ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوي الباطل، ووقعت البلبلة والفتنة. ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتمًا مقضيًا، ويجل الآلام والتضحيات لها وقودًا. فلا يكافح ويناضل ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا، بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودًا، وأشدهم إيمانًا، وأكثرهم تطلعًا إلى ما عند الله، واستهانة بما عند الناس .. عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تمحص الصفوف، فيتميز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته. وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين. وقد علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور، وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم؛ فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من المعرفة فيكون هذا كله رصيدًا للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء.

(1) (من الجدير بالانتباه أن نجاح بعض الصادقين الواعين بحقيقة الدعوة المطلوبة في إيصال دعوتهم من خلال هذه الأجهزة في ظرف معين لا يغير حقيقة دور هذه الأجهزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت