الصفحة 7 من 86

لقد علم الله - سبحانه - أن إقامة الدين والحكم بما أنزل الله ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس؛ ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام .. ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث، ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه؛ ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعون هم للناس مما لم يأذن به الله .. وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقى على مصالحهم الظالمة .. وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال. ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها .. وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض.

علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات، وأنه لابد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة وأن يصمدوا لها، وأن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال .. فهو يناديهم: {فلا تخشوا الناس واخشون} ..

فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله، ويرفضون الإقرار- من ثم- بتفرد الله - سبحانه - بالألوهية. أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة أو المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها .. لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعًا ولغيرهم من الناس دون المضي في إقامة دين الله في الأرض وتحكيم شريعة الله في الحياة فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوه. والخشية لا تكون إلا لله.

كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا؛ وهم يجدون أصحاب السلطان، وأصحاب المال وأصحاب الشهوات؛ لا يريدون حكم الله، فيتملقون شهوات هؤلاء جميعًا، طمعًا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل؛ كما كان ذلك واقعًا في المرتزقة من علماء بني إسرائيل والكهنة السحرة الذين ناداهم فرعون {وإنكم إذن لمن المقربين} فناداهم الله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا} .. وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى المدخولة!

وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا .. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابًا ومصالح صغيرة؛ يباع بها الدين، وتشترى بها جهنم عن يقين؟!

إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد. والذين يحملون عنوان:"رجال الدين"يخونون ويفرطون ويدلسون، فيسكتون عن العمل لإقامة الدين وتحكيم ما أنزل الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله.

لقد كشف لنا القرآن عن علة الخوف والفزع والجزع .. إنه الشيطان يحاول أن يجعل أولياءه مصدر خوف ورعب، وأن يخلع عليهم سمة القوة والهيبة ومن ثم ينبغي أن يفطن المؤمنون إلى مكر الشيطان، وأن يبطلوا محاولته. فلا يخافوا أولياءه هؤلاء، ولا يخشوهم. بل يخافوا الله وحده. فهو وحده القوي القاهر القادر، الذي ينبغي أن يُخاف ..

إن الشيطان هو الذي يضخم من شأن أوليائه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول، وأنهم يملكون النفع والضر ذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت