الصفحة 13 من 86

وقرر القرآن الكريم أن من يتولى الكافرين فقد صار منهم، كافرًا مثلهم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] واعتبر القرآن أن من يفعل هذا الفعل- وهو تولي الكافرين- فلا علاقة له بدين الله من قريب أو بعيد، قال تعالى: {لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .

إن قراءة التاريخ، واستقراء سنة الله عز وجل، لتؤكد أنه سبحانه وتعالى يعامل من يتولون الكفار بنقيض قصدهم؛ فأصحاب النفوس المريضة الذين يطلبون العزة من موالاة الكافرين، يذلهم الله. ولقد جرّب حكام هذه الأمة وشعوبها عبر التاريخ ألوانًا من موالاة الأعداء، فما جَنَوا من ذلك سوى الخيبة والذل والعار والمهانة في الدنيا قبل الآخرة. وإن الذي يطالع مثلًا ما جرى للمسلمين في الأندلس قديمًا وفي البوسنة والهرسك حديثًا- ليعلم أي مستقبل ينتظر المسلمين الذين تميعت قضية الموالاة والمعاداة في عقولهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، ثم في سلوكياتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم مع أعداء الله.

وبالرغم من استفاضة الآيات القرآنية في هذا الأمر، ووضوح معناها، إلا أن الغياب المذهل لحقائق الإسلام عن واقع المنتسبين له اليوم، سواء في العقائد والأخلاق أو السلوك، والاستغراق التام في ملذات الدنيا، والاستباق على شهواتها، كل ذلك وقف عائقًا بين الناس وبين تلقي هذه الحقائق الشرعية الناصعة، والتي أصبحت أبعد ما تكون عن سلوكياتهم ومعاملاتهم، فضلًا عن أن تخطر على أذهانهم أصلًا.

ولقد قرأنا وسمعنا للأسف الشديد، من بعض المنتسبين للحركات الإسلامية أيضًا، ما يوحي بأن قضية الموالاة والمعاداة في الإسلام لا تعدو أن تكون مجرد توجيهات أخلاقية عامة، وأن مناطاتها وصورها في الواقع أكثر من أن تنحصر أو تنضبط، وأنه لا يوجد معنى واضح أو صورة للموالاة نستطيع أن نتخذها معيارًا في معرفة من يكفر ومن لا يكفر ممن يتلبس بإحدى هذه الصور أو المناطات.

وإلى أصحاب هذا الزعم نقول: إن الله - سبحانه وتعالى - لا ينهى عن شيء غير محدد وغير معروف، ولا يحكم بردة من دخل في أمر غير واضح وغير متميز، وإلا لكان أمره ونهيه في هذه القضية عبثًا لا يمكن تطبيقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ومثل هذا القول لا يمكن أن يصدر عن مؤمن بالله وصفاته، ومصدق برسالته لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وموقن أن في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - تبيانًا واضحًا ونبراسًا مضيئًا لمن قصد الحق وحرص على تطبيقه.

وفي هذه الرسالة محاولة للرد على أصحاب هذا الزعم، من خلال إثبات المعنى المحدد للموالاة في اللغة وفي المصطلح الشرعي، وعرض للعناصر التي يجب تحققها لكي تتم موالاة الله وحزبه، والانخلاع من موالاة الشيطان وحزبه.

ولقد تكلمنا كذلك عن علاقة قضية الموالاة والمعاداة بأصل دين الله، وأنها ركن ركين من هذا الأصل، وأن النجاة من الكفر، والدخول في دين الله لا يتحقق إلا بتحقق هذا الركن.

ثم أثبتنا صورة موالاة الكافرين، التي تعتبر"توليًا"لهم يخرج بصاحبه عن دائرة الملة الإسلامية، كما أثبتنا صورًا أخرى مما تعتبر دون الكفر بمراتب متعددة.

وأوضحنا المقصود بتعبير"الموالاة على الدين"في كلام العلماء، وبينا الفرق بين الموالاة للكافرين التي نهى الشارع عنها بأية صورة من الصور وتجاه أي نوع من أنواع الكافرين، وبين البر والقسط تجاه غير المحاربين من الكافرين، والذي أباحه الشارع، بل رغب فيه وحض عليه، خاصة مع أولى القربى والرحم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت