الصفحة 18 من 86

* وكلمة أولياء تأتي بمعنى النصرة والأنصار. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] أي أنصارًا [1] . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [هود: 20] أي أنصارًا ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين الله عز وجل [2] . وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] . أي يتخذون الكافرين أعوانًا وأنصارًا [3] ؛ يتعززون بهم ويستنصرون [4] . وقال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81] ؛ أي يؤاخونهم بالمودة ويستنصرونهم [5] .

* وتأتي كلمة أولياء بمعنى القوم المتحدين المتجانسين. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] . أي قلوبهم متحدة في التواد، والتحاب، والتعاطف، وغير ذلك من الأمور [6] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] . أي يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم [7] .

وهكذا يظهر لنا بوضوح أن الاستعمال الشرعي لمادة الموالاة يدور في غالب موارده حول معنى: النصرة، والمتابعة، والمحالفة، والمظاهرة. وقد تأتي أحيانًا- خصوصًا في وصف علاقة المؤمنين بعضهم ببعض- بمعاني الود والتحاب والتعاطف.

فليس شرطًا إذن- لغة وشرعًا كما رأينا من تفسير العلماء- اجتماع مادتي المحبة والنصرة؛ لكي يطلق على العمل أنه موالاة أو تولٍ؛ بل يكفي تحقق أحدهما منفردًا عن الآخر في عمل ما لكي يطلق عليه أنه موالاة أو تول [8] .

الموالاة قسمان قلبي وظاهري والمعادة كذلك

فالموالاة والمعاداة بهذا الاعتبار ينقسمان إلى قسمين:

القسم الأول: ما يتعلق بالقلب والوجدان؛ كالمحبة والمودة [9] في الموالاة والعداوة [10] والبغض في المعاداة.

القسم الثاني: ما يتعلق بالفعل والقول؛ كالنصرة بالقول أو بالنفس أو بالمال أو بالرأي في الموالاة، أو بذل القول والنفس والمال في المعاداة.

والعداوة أصلها البغض والبعد - وهي ضد الولاية التي أصلها المحبة والقرب [11] - فالمعاداة شعور ينبعث من داخل النفس، لقصد الإضرار وحب الانتقام بالقول والفعل والاعتقاد، لمن يعتقده الإنسان عدوًا له [12] .

وبين الموالاة والمعاداة دلالة في مفهوم المخالفة، وهو أن يدل اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه للمنطوق به، ويسمى دليل الخطاب [13] .

ومعنى ذلك أن الدليل إذا دل بظاهره على وجوب الموالاة، دل بمفهوم المخالفة على النهي عن المعاداة. وإذا دل الدليل بظاهره على وجوب المعاداة، دل بمفهوم المخالفة على النهي عن الموالاة؛ وكذلك العكس.

فإذا نهى الله عن المعاداة بالنص الظاهر، دل المفهوم على وجوب الموالاة وإذا نهى الله تعالى بالنص الظاهر عن الموالاة، دل المفهوم على وجوب المعاداة.

(1) مختصر الطبري ص629.

(2) مختصر الطبري ص246.

(3) تفسير القرطبي ج5 ص416.

(4) تفسير ابن السعدي ج2 ص197.

(5) كلمات القرآن لمخلوف ص 80.

(6) تفسير القرطبي ج8 ص202.

(7) تفسير الطبري ج8. ص57 فطبيعة الأشياء تقتضي أن من يتحد معك في الدين والعقيدة ينصرك على دينك ولا ينصر عليك. فمن خذلك على دينك فهو ليس على دينك ولا عقيدتك.

(8) لاحظ التفريق بين مادة المحبة ومادة الموالاة في الحديث المذكور عن ابن عباس"أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله (رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني) ."

(9) المودة أخص من المحبة؛ حيث إن المودة هي الحب الكثير، والحب المجرد من المودة يكون أقل من المودة بدرجة أو درجات متفاوتة (المعجم الوسيط ج1 ص 151، ج2 ص1031) .

(10) العداوة أخص من البغض، لأن كل عدو مبغض، وليس كل مبغض عدو. (محيط المحيط ج2 ص1353 وبعدها) .

(11) الفرقان لابن تيمية ص7.

(12) الموالاة والمعاداة ص 49.

(13) أصول الفقه للخضري ص112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت