الصفحة 41 من 86

وهذا كله يدل بلا ريب على أن الله أوجب على المؤمنين البراءة من كل مشرك، وأمر بإظهار العداوة والبغضاء للكفار عامة، وللمحاربين خاصة؛ وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم.

وهذه البراءة من الكفار، هي حقيقة معنى (لا إله إلا الله) ومدلولها، لا مجرد قولها باللسان، من غير نفي لما نفته من صلة بالمشركين، ومن غير إثبات لما أثبتته من موالاة رب العالمين) أ هـ [1] .

"فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: نفي استحقاق العبادة - والولاء جزء منها - لغير الله - عز وجل -، مع إثبات هذا الاستحقاق لله وحده، وهو ما دل عليه قول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] [2] ."

(فلا يكفى في تحقيق معنى الشهادة أن يعبد الإنسان ربه حتى يجتنب عبادة غير الله من جهة، وينفي استحقاق أي مخلوق لأي نوع من أنواع العبادة من دون الله. وهذا أمر متفق عليه ولا جدال فيه) [3] .

"فمن والى الكفار أو تولاهم فقد كفر؛ لأنه لم يحقق معنى لا إله إلا الله" [4] .

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (إنه يجب على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي الإيمان عن من يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب في النسب) أ هـ [5] .

"إن كلمة الإخلاص هذه - لا إله إلا الله - قيدت بقيود ثقال؛ حيث كان إمام الحنفاء - عليه السلام - لم يحصل له قول (لا إله إلا الله) ، ولم تتم له المحبة، والموالاة - وهو إمام المحبين - إلا بالمعاداة .. فإنه لا ولاء إلا ببراءة ولا ولاء لله إلا بالبراءة من كل معبود سواه. وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) .. فإن (لا إله إلا الله) معناها النفي والإثبات؛ وحقيقتها الموالاة والمعاداة في الله" [6] .

(وبناءً على ذلك؛ فإن الذين يتولون الكفار، ولا يعادونهم - لا يعبدون الله حق عبادته، وأنهم يشركون معه في العبادة غيره. إذ لو كانوا يعبدون الله حق عبادته، لما أظهروا الرضا، والمودة، والمناصرة لأعداء الله وأعداء دينه من الكفار، والمشركين، والمرتدين.

فإن المسلم إذا دخل في طاعة الكفار، وأظهر المودة والموافقة لهم على الكفر، وأعانهم عليه بالمال، أو السلاح، أو الرجال، أو الرأي، وأيدهم على ذلك؛ وقطع علاقته مع المسلمين، أو جعل صلته بالكفار تربو على صلته بالمسلمين - فقد خرج عن معنى (لا إله إلا الله) ، وارتد عن الإسلام، وكان حكمه الكفر.

لأنه حينئذ يكون في عداد المشركين حكمًا وفعلًا؛ وهو لم يحقق معنى (لا إله إلا الله) ، فينفي ما نفته، ويفعل ما أثبتته، وإن كان يقولها عشرات المرات؛ لأن القول الصادق يدل عليه العمل) [7] .

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: (فالله الله يا إخواني، تمسكوا بأصل دينكم، وأوله، وآخره، وأسه، ورأسه: شهادة(أن لا إله إلا الله) ، واعرفوا معناها، وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين منكم نسبًا واكفروا بالطواغيت، وعادوهم وابغضوهم وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما على منهم، أو قال ما كلفني الله بهم؛ فقد كذب هذا على الله وافترى عليه إثمًا مبينًا.

فقد كلف الله كل مسلم ببغض الكفار، وافترض عليه عداوتهم، وتكفيرهم، والبراء منهم؛ ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم. فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئًا) أ هـ [8] .

ويقول الشيخ المودودي - رحمه الله:(إن من مظاهر النفاق أن الإنسان يدعي الإيمان بالإسلام، ويتظاهر بالانتساب إليه، والتمسك به؛ ثم يعيش راضيًا مطمئنًا في ظل نظام مناقض للذي يؤمن به، قانعًا مغتبطًا في كنفه، لا ينبض له عرق، ولا يخفق له قلب.

إن مثل هذا الصنيع - لعمر الحق - من أمارات النفاق ومن صحيحه، من غير شك)أ هـ [9] .

(1) الدرر السنية ج2 ص128.

(2) الموالاة والمعاداة ص 136.

(3) مجموعة التوحيد ص25، 26.

(4) الإيمان لمحمد نعيم ياسين ص181، 182.

(5) مجموعة التوحيد ص 50، 51.

(6) مجموعة التوحيد ص 140، 141.

(7) الإيمان نعيم ياسين ص181، 182.

(8) مجموعة التوحيد ص111.

(9) تذكرة الدعاة ص7، 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت