يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: (لو أن رجلًا أقر بأن الإسلام نهى عن الشرك، ولم يفعل الشرك بنفسه، ولكنه زينه للناس، ورغبهم فيه؛ أليس هذا كافرًا مرتدًا؟) أ هـ [1] .
ثم يقول:(لو أن إنسانًا كره ما أنزل الله، أو ما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - به أمر استحباب، وصد الناس عن ذلك؛ كركعتي الفجر؛ مع علمه بما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ أليس هذا كافرًا مرتدًا؟
فكيف بمن سب دين الله الذي بعث الله به جميع أنبيائه؛ مع إقراره ومعرفته به؛ ومدح دين المشركين، الذي بعث الله أنبياءه بإنكاره، وبيان بطلانه أ هـ) [2] .
وعلى هذا القول يحكم بكفر الذين يدعون إلى الأحزاب الكافرة: من شيوعية، أو اشتراكية، أو بعثية، أو ماسونية، أو علمانية، أو نحو ذلك؛ وإن لم يكونوا من المعتنقين لها والمنضمين إليها.
ويلحق بذلك أيضًا دعاة الدعارة والفساد في وسائل الإعلام، الذين يزينون الفاحشة، وهتك القيم والأخلاق الإسلامية؛ وإن لم يمارسوا الفساد بأنفسهم ويطبقوه على أهليهم؛ لأن من كره ما أحل الله، ودعا إلى ما حرم الله - فقد استحق غضب الله عليه.
(وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج الإسلام من قلبه. ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها. ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة، رجوت أن يغفر الله له) أ هـ [3] .
فإذا كان هذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله. فما بالك بمن يوالي من يدعون خصائص الألوهية في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله؛ ومع ذلك كله يقرهم على هذا الادعاء، ويواليهم، ويناصرهم عليه؟
فهذه ليست موالاة مبتدع على بدعته؛ بل هي موالاة كافر على كفره، أو مشرك على شركه.
وأما التولي بالقلب والفعل: فأن يوافقهم في الظاهر والباطن؛ فينقاد لهم بظاهره، ويميل إليهم ويوادهم بباطنه.
وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين عن معنى لا إله إلا الله، وعن معنى الطاغوت الذي أمرنا الله باجتنابه والكفر به؛ فأجاب: (بأن معنى"الإله"هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه، وقد دل صريح القرآن على معنى الإله وأنه المعبود كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] .
قال المفسرون: هي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. والمعنى: جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمةً باقيةً في ذرية إبراهيم، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة (لا إله إلا الله) .
فتبين أن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى لا إله إلا الله) أ هـ [4] .
(وعلى ذلك؛ فمن أباح الشرك، أو تولى المشركين، وذب عنهم، أو عادى الموحدين، وتبرأ منهم - فهو ممن أسقط حرمة(لا إله إلا الله) ، ولم يعظمها، ولا قام بحقها؛ ولو زعم أنه مسلم، وأنه من أهلها القائمين بحرمتها) [5] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الآية المتقدمة: (فتبين أن معنى(لا إله إلا الله) هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة، بجميع أنواعها لله تعالى .. فالولاء لله يتضمن البراءة من كل ما سواه) أ هـ [6] .
وفي رسالة أخرى من عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين، وإبراهيم بن سيف، إلى بعض الإخوان قالوا فيها: (إن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة؛ ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنًا وظاهرًا، كما ذكر الله عن إمام الحنفاء عليه السلام ...
ثم ساقوا اثنتي عشرة آية في موضوع الموالاة؛ إلى أن قالوا: فتأمل تلك الآيات، ثم انظر كيف أكد الباري - جل وعلا - على رسله والمؤمنين باثنتي عشرة آية في البراءة من المشركين؛ ومدحهم بتلك الصفة.
(1) الرسائل الشخصية ص29.
(2) الرسالة الشخصية ص30.
(3) الموالاة والمعاداة ص 123.
(4) الدرر السنية ج2 ص143.
(5) الدرر السنية ج9 ص325.
(6) الدرر السنة ج2 ص110: 120.