فهرس الكتاب
محبة النفس والمال والأهل والخوف عليهم ليس عذرًا في تولى الكافرين:
(وذكر الله أن من تولاهم فهو منهم؛ أي من تولى اليهود فهو يهودي ومن تولى النصارى فهو نصراني. وكذلك من تولى المشرك فهو مشرك، ومن تولى الأعاجم فهو أعجمي. فلا فرق بين من تولى أهل الكتابين وغيرهم من الكفار.
وإذا أنكرت عليهم مولاة الكافرين؛ قالوا: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] . أي إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا: نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلطون علينا، فيأخذون أموالنا، ويشردوننا من بلداننا.
وهذا هو ظن السوء بالله الذي قال فيه: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] .
لقد نهى الله - سبحانه وتعالى - المؤمن عن موالاة أبيه وأخيه - اللذين هما أقرب الناس إليه - إذا كان دينهما غير الإيمان؛ وبين أن الذي يتولى أباه وأخاه إذا كانا كافرين فهو ظالم؛ فكيف بمن تولى الكافرين الذين هم أعداء له ولآبائه ولدينه؟! أفلا يكون هذا ظالمًا؟ بلى والله إنه لمن أظلم الظالمين) [1] .
وحتى المكره إكراهًا ملجئًا، لا يجوز له أن يحمل على أخيه السلاح؛ فيقتله من أجل سلامة نفسه هو [2] . فالإكراه يجوز معه التلفظ بكلمة الكفر ترضية للكفار؛ أما من يحارب المسلمين بقوله وفعله ويناصر الكافرين من أجل أن يشق عليه فراق أهله وأولاده وبلاده؛ فيقتل المسلمين، ويرمل نساءهم، وييتم أطفالهم، ويخفض الإسلام وأهله، ويظهر الكفر ويجاري أهله، مقابل أن يسلم هو بنفسه، فهذا ظلم وفسق وكفر أكبر مخرج من الملة.
(وقد سئل ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - وهما حسين وعبد الله - عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ويبغض الشرك وأهله؛ ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله؛ وهو يعتذر بأن مقاتلته لهؤلاء الكفار وترك وطنه من أجلهم يشق عليه ذلك، فهو لا يستطيع مفارقة الأهل والأموال والأولاد والعشيرة. فهل يكون كافرًا أم مسلمًا؟ فأجابا بأن في ذلك تفصيل.
أولًا: أن ينظر إلى هذا الشخص المقيم مع الكفار، هل يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم ومما هم عليه من كفر وشرك؟ وهل يقدر على إظهار عداوته لهم، أو أن يظهر لهم أنهم كفار؟ وهل يأمن على أن لا يفتنوه عن دينه، لأجل أهله وماله وولده.
فإن كانت الإجابات على هذه الأسئلة بنعم؛ فهذا لا يحكم بكفره؛ ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهرهم؛ فيخشى أن يكون داخلًا في أهل هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 - 99] .
ثانيًا: أما إذا أظهر الموافقة للكفار على دينهم، وأن بدعتهم وكفرهم أصوب من الإسلام، واتهم الإسلام بالباطل والقصور، وقاتل معهم أهل التوحيد بنفسه وماله ورأيه - فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه؛ لأن الأمر الذي يمنعه من الهجرة محبة الدنيا على الآخرة؛ ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه ملجئ؛ فهو داخل في قوله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 106، 107] [3] .
(1) مجموعة التوحيد ص 328 - 329.
(2) تفسير القرطبي ج10 ص182 - فتح الباري ج12 ص316 - التشريع الجنائي ج1 ص568.
(3) مجموعة التوحيد ص284: 285 - الدرر السنية ج8 ص111: 112.