(ولا يشك عاقل أن البلدان الذين خرجوا عن المسلمين صاروا مع المشركين، وفي فريقهم وجماعتهم. هذا مع أن الآية - آية النساء - نزلت في أناس من أهل مكة أسلموا واحتبسوا عن الهجرة؛ فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر، فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله فيهم هذه الآية. فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطؤهم، وظهر فيهم سبهم، وشتمهم، وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم، في ثباتهم على التوحيد والصبر عليه وعلى الجهاد فيه؛ وعاونوهم على أهل ا لتوحيد طوعًا لا كرهًا، اختيارًا لا اضطرارًا؟
فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحًا بالوطن، وخوفًا من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. فإن قال قائل: هلا كان الإكراه على الخروج عذرًا للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل: لا يكون عذرًا؛ لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين إذ أقاموا مع الكفار؛ فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه؛ لأنهم السبب في ذلك حيث أقاموا معهم وتركوا الهجرة) [1] .
وقال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80] .
"فذكر الله تعالى أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله، والخلود في العذاب بمجردها، وإن كان الإنسان خائفًا، إلا من أكره بشرطه؛ فكيف إذا اجتمع ذلك مع الكفر الصريح؛ وهو معاداة التوحيد وأهله، والمعاونة على زوال دعوة الله بالإخلاص؛ وعلى تثبيت دعوة غيره؟!" [2] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28] .
"فذكر تعالى أن هناك جماعة من الناس تدعي الإسلام في ظاهر حالها ولكنهم في الحقيقة مرتدون بسبب وعدهم للكفار، المتضمن طاعتهم لهم في بعض الأمور، فذكر أنهم ارتدوا بذلك؛ ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة وغرهم الشيطان بتسويله وتزيينه لما ارتكبوه من الردة، وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفتهم الحق، ومحبتهم له، والشهادة به، لا يضرهم ما فعلوا؛ فقالوا للكفار: سنطيعكم في بعض الأمر من موالاة، ومحبة، وتأييد؛ مع بقائهم حسب زعمهم الخاطئ على مسمى الإسلام، وأنهم فعلوا ذلك محبة للدنيا، وخوفًا على فوات الأنفس والأموال والمناصب. فإذا كانت الردة حاصلة لمن وعد المشركين بالطاعة في بعض الأمور؛ فكيف حال من وافق المشركين وأطاعهم في كل الأمور قولًا وفعلًا؛ ألا يكون هؤلاء أحرى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بالطاعة في بعض الأمور دون البعض الآخر؟"
وبناء على ذلك؛ فإن اتباع المشركين، والدخول في طاعتهم، والشهادة لهم بأنهم على الحق، ومعاونتهم على الباطل، وترك التوحيد وأهله وخذلان أصحابه - كل هذه أمور موجبة للردة والكفر" [3] ."
وقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] .
"فقد اعتبرت الآية وعد المشركين في السر بالدخول معهم ونصرهم، والخروج معهم - نفاقًا وكفرًا، وإن كان هذا الوعد كذبًا وتمويهًا."
(1) مجموعة التوحيد ص305: 306.
(2) مجموعة التوحيد ص 307.
(3) مجموعة التوحيد ص244.