الصفحة 62 من 86

وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر؛ لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال: من التوحيد والإقرار برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والتبري من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة وصيام رمضان وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان.

وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين"يبين ما قلناه، وأنه عليه السلام، إنما عني بذلك دار الحرب؛ وإلا فقد استعمل عليه السلام عماله على خيبر وهم كلهم يهود.

ولو أن كافرًا مجاهرًا غلب على دار من دور الإسلام، و أقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير الإسلام - يكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه - وإن ادعى أنه مسلم - لما ذكرنا) أهـ [1] .

وقد قسم الشيخ حمد بن عتيق - رحمه الله - المقيمين في بلاد الحرب إلى ثلاثة أقسام:

"أحدها: أن يقيم عندهم رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه؛ فهذا كافر عدو لله ولرسوله .."

وصح عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: من بنى بأرض المشركين، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك - حشر معهم يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وظاهر هذا أنه جعله كافرًا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور.

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - لما ذكر الأنواع التي يكفر بها الرجل، قال: النوع الرابع: من سلم من هذا كله ولكن أهل بلده يصرون على عداوة التوحيد وإتباع أهل الشرك؛ وهو يعتذر أن ترك وطنه يشق عليه؛ فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه فهذا أيضًا كافر.

فإنه لو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم، فعل وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله؛ مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله؛ أكبر من ذلك بكثير؛ فهذا أيضًا كافر.

وهو ممن قال الله فيهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 91] .

القسم الثاني: أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد أو بلاد، وهو لا يظهر دينه، مع قدرته على الهجرة؛ ولا يعينهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان؛ ولا يواليهم بقلبه ولا لسانه. فهذا لا يكفرونه لأجل مجرد الجلوس؛ ولكن يقولون أنه قد عصى الله ورسوله بترك الهجرة؛ وإن كان مع ذلك يبغضهم في الباطن ..

وقد سد الله باب الأعذار الواهية في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

وما من أحد يترك الهجرة إلا وهو يعتذر بشيء من هذه الثمانية؛ وقد سد الله على الناس باب الاعتذار بها؛ وجعل من ترك الهجرة لأجلها أو لأجل واحد منها فاسقًا. وإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض، وقد أوجب الله الهجرة منها، ولم يجعل محبتها عذرًا؛ فكيف بغيرها من البلدان ..

القسم الثالث: من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم. وهو نوعان:

1 -أن يكون مظهرًا دينه؛ فيتبرأ منهم وما هم عليه، ويصرح لهم ببراءته منهم وأنهم ليسوا على حق، بل إنهم على باطل. وهذا هو إظهار الدين الذي لا تجب معه الهجرة، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 1 - 3] . إلى آخر السورة.

(1) المحلى ج3 ص139 - 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت