ب- وقوم أرادوا أن يُؤَمِّنوا أنفسهم خوفًا وطمعًا، فخرجوا مع المشركين يكثرون سوادهم، ويعينونهم بالنفس والمال والرأي، في حربهم ضد المسلمين.
فهؤلاء الذين يقول فيهم النسفي: (فخرج مع المشركين إلى بدر مرتدًا فقتل كافرًا ... {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} .. أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر؛ وترك الهجرة) أ هـ.
وعن هؤلاء، ممن يظاهر المشركين وهو يتكلم بالإسلام؛ يقول الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] .
يقول النسفي في تفسيرها: {فَمَا لَكُمْ} مبتدأ وخبر، {فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} أي مالكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقًا ظاهرًا، وتفرقتم فيهم فريقين، ولم تقطعوا القول بكفرهم.
وذلك أن قومًا من المنافقين استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين؛ فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون [1] .
{وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} ردهم إلى حكم الكفار؛ فردوهم أيضًا ولا تختلفوا في كفرهم. {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} أو تريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم؛ فيكون تعييرًا لمن سماهم مهتدين) أ هـ [2] .
قال الحسن بن صالح:"من أقام في أرض العدو - وإن انتحل الإسلام - وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين، فأحكامه أحكام المشركين. وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم، وهو يقدر على الخروج، فليس بمسلم؛ يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه."
وقال الحسن: إذا لحق الرجل بدار الحرب، ولم يرتد عن الإسلام؛ فهو مرتد بتركه دار الإسلام" [3] ."
وقال ابن حزم - رحمه الله: (من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها، من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.
وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره - فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره.
أما من كان محاربًا للمسلمين، معينًا للكفار بخدمة أو كتابة - فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم - فما يبعد عن الكفر؛ وما نرى له عذرًا؛ ونسأل الله العافية!.
وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافر بلا شك؛ لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام.
(1) قال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة. قال الضحاك: قالوا: إن يظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين، قوم يتولونهم، وقوم يتبرؤون منهم فقال الله عز وجل: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} . (راجع تفسير الآية في القرطبي) . وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين؛ فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس.
وإن المؤمنين لم أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله - أو كما قالوا - أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم. فكانوا كذلك فئتين؛ والرسول عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء؛ فنزلت {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} (راجع تفسير الآية في ابن كثير) . ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الآية (إنها طيبة؛ وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد) (الشيخان) .
(2) تفسير النسفي؛ الآية 88 من سورة النساء.
(3) أحكام القرآن للجصاص ج3 ص216، وسيأتي في سياق البحث تفصيل لذلك؛ فلزم التنبيه.