فلو أن أحدًا منهم سب المسلمين، أو عابهم، أو أعان عدوهم- انتقض إسلامه بلا ريب؛ لكن الله تعالى حفظهم من هذه الأمور، وعذرهم باستضعافهم وعجزهم. ولهذا ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لهم في الفريضة.
إن أولئك المستضعفين من المؤمنين لما كانوا بمكة مع قريش لم يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين، ولم يطمعوا منهم بمودة ولا ركون؛ وحاشاهم ذلك؛ فلهذا وصفهم الله بالإيمان) أهـ [1] .وخلاصة الأمر في تفسير آيات سورة النساء: أن من أسلم ولكنه ترك التحيز إلى معسكر المسلمين في المدينة وبقى في معسكر الكفر في مكة- كان واحدًا من أصناف ثلاثة:
1 -قوم مستضعفون حقيقة {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98] ؛ فهم غير قادرين على التخلص من أيدي المشركين، وغير عارفين كيف يسلكون الطريق إلى معسكر الإيمان؛ {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي يتجاوز عنهم بترك ا لهجرة؛ وعسى من الله موجبة. وهؤلاء الذين كانوا يدعو لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفريضة.
روى البخاري عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده؛ ثم قال قبل أن يسجد:"اللهم أنج عياش ابن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف".
وقال البخاري عن ابن عباس: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل.
2 -وقوم أقاموا بين ظهراني المشركين، وهم قادرون على الهجرة؛ ليسوا مستضعفين حقيقة، وليسوا متمكنين من إقامة الدين؛ فهؤلاء ظالمون لأنفسهم، مرتكبون حرامًا بالإجماع؛ لأنهم أحبوا أقرباءهم، وأموالهم، وتجارتهم، وأزواجهم، وعشيرتهم، ومساكنهم؛ أكثر من الله ورسوله وجهاد في سبيله.
وهؤلاء انقسموا قسمين:
أ - قوم أكرهوا على الخروج مع المشركين لقتال المسلمين؛ وهم يكرهون المشركين في الباطن، ولا يعينونهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان؛ فهؤلاء قد عصوا الله ورسوله بترك الهجرة أصلًا؛ مما أوقعهم في هذا الموقف. وهؤلاء يعاملون بظاهر أمرهم على أنهم مشركون ويبعثون على نياتهم.
وكان من هؤلاء العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فعن ابن إسحاق أنه لما بعثت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أسراهم يوم بدر، وفدى كل قوم أسيرهم بما رضوا - قال العباس: يا رسول الله، إني قد كنت مسلمًا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك؛ فأما ظاهر أمرك فكان علينا، فافد نفسك وابني أخويك: نوفل بن الحارث ابن المطلب، وعقيل بن أبي طالب؛ وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث ابن فهر" [2] .
(1) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ص309 - 311.
(2) تفسير القرطبي ج8 ص34. وهناك قصة أخرى أوردها القرطبي تبين أن العباس كان مشركًا ولم يسلم إلا في هذا اليوم فعندما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس بالمكان الذي خبأ فيه ماله؛ قال له العباس: يا ابن أخي، من أخبرك بهذا؟ قال:"الله أخبرني". قال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وكفرت بما سواه. (تفسير القرطبي ج8 ص35) .
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90] أي ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم .. وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه؛ ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره (مختصر ابن كثير ج1 ص420) .
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس:"افد نفسك وبر أخويك: قال: يا رسول الله؛ ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؛ قال: يا عباس؛ إنكم خاصمتم فخصمتم. ثم تلى قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (رواه ابن أبي حاتم) ."