قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] .
يقول القرطبي:(ظاهر الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة؛ وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفرة فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب، خوطبوا بألا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعًا في سكني بلاد الكفر {إِنْ اسْتَحَبُّوا} أي أحبوا، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب. أي لا تطيعوهم ولا تخصوهم. وخص الله سبحانه الآباء والإخوة؛ إذ لا قرابة أقرب منها. فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] ؛ ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك) أ هـ [1] .
يقول ابن كثير:(قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] . عن ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يأتي السهم يرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ} [2] .
وعن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم: قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم؛ فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} [3] .
هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع) أهـ [4] .
يقول النسفي في تفسير الآية نفسها: (نزلت فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة؛ فخرج مع المشركين إلى بدر مرتدًا، فقتل كافرًا. {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} حال من خبر المفعول في {تَوَفَّاهُمْ} أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة) أهـ [5] .
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عن الآية نفسها: (فتأمل كيف ترتب عليهم هذا الوعيد وأوجب لهم النار؛ وقد ورد أنهم كانوا مكرهين على تكثير سواد المشركين فقط؛ فكيف بمن كثر سوادهم بغير إكراه، وأعان وظاهر، وقال وفعل من غير استضعاف ولا إكراه؛ أترى بقى مع هذا شيء من الإيمان والحالة هذه؟ ..
ويقول: إن الله تعالى يقول: {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية [الفتح: 25] .. إن هؤلاء الذين سماهم الله مؤمنين لم يظاهروا على المؤمنين مشركًا، ولا منافقًا، ولا باغيًا، ولا ظالمًا؛ ولا سبوا مؤمنًا، ولا عادوه.
ومنهم من قيده أهله بمكة ومنعوه من الهجرة، كأبي جندل بن سهيل؛ فإنه خرج يوم الحديبية من مكة يرسف بقيوده.
(1) تفسير القرطبي ج8 ص 60: 61. وانظر كيف اعتبر ابن عباس هذا الموقف السلبي رضا بالشرك لا يصدر إلا عن مشرك! وراجع تحقيقًا لذلك قصة خالد بن الوليد مع مجاعة أثناء حروب الردة ص116.
(2) رواه البخاري. وروى البخاري أيضًا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به".
(3) أخرجه ابن أبي حاتم.
(4) مختصر ابن كثير ج1 ص427.
(5) تفسير النسفي سورة النساء: 97.