أولًا: إذا كانت الموالاة لهم في ديار المسلمين إذا قدموا إليها؛ وذلك مثل الإكرام العام لهم، بغير نية دعوة إلى الإسلام، ومن غير مودة قلبية لهم [1] . فمثل هذه الموالاة صاحبها عاص لله، آثم على مخالفته، متعرض للوعيد على هذا العمل الذي لا يقصد به وجه الله عز وجل.
ثانيًا: إذا كان الإكرام للكفار والموالاة لهم من أجل دنياهم (أي من أجل ما عندهم من الدنيا) ، مع اعتقاد القلب ببطلان ما هم فيه من كفر، وكراهية ذلك منهم، فهذا آثم عاص، يجب عليه من التعزير ما يزجره ويزجر أمثاله عن ذلك" [2] ."
ويرى الشيخ حمد بن عتيق، أن كل أنواع الموافقة للكفار موجبة للردة عن الإسلام؛ ما عدا حالة واحدة وهي الإكراه؛ فيقول:"إن الموافقة للمشركين تنقسم إلى ثلاث حالات:"
الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن، فينقاد لهم بظاهره، ويميل إليهم ويوادهم بباطنه؛ فهذا النوع كفر يخرج من الإسلام.
الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم بباطنه، مع مخالفته لهم في الظاهر؛ فهذا أيضًا كفر. ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهرًا، عصم ماله ودمه، وعومل بحسب ظاهره؛ وهذا هو المنافق، الذي يظهر الإسلام ويبطن مودة الكفار ومناصرتهم.
الحالة الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن؛ وهو على وجهين:
1 -أن يفعل ذلك وهو في سلطانهم، وتحت ولايتهم، مع ضربهم له وحبسه، وتهديده بالقتل والتعذيب، مع مباشرة التعذيب فعلًا؛ فإنه - والحالة هذه - يجوز له موافقتهم في الظاهر، مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما جرى لعمار بن ياسر - رضي الله عنه -؛ حيث أنزل الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] [3] .
2 -أن يوافقهم في الظاهر، مع مخالفته لهم في الباطن؛ وهو ليس في سلطانهم؛ وإنما حمله على ذلك إما طمع في رياسة، أو مال، أو مشحة بوطن أو عيال، أو خوف ما يحدث في المال؛ فإنه في هذه الحالة يكون مرتدًا، ولا تنفعه كراهيته لهم في الباطن؛ وهو ممن قال الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107] .
فأخبر - سبحانه وتعالى - أنه لم يحملهم على الكفر الجهل بالدين أو بغضه، ولا محبة الباطل وأهله؛ وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا، فآثروه على الدين المنزل من عند الله) أ هـ [4] .
فالتولي إذن أخص من الموالاة؛ فكل من تولى الكفار فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام. وليس كل موالاة للكفار يكفر صاحبها؛ فهناك أنواع من الموالاة التي يكفر صاحبها، وأنواع من الموالاة التي لا يكفر فاعلها.
"فمسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة؛ منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية؛ ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات" [5] .
ومن صور الموالاة"على الدنيا"؛ ما كان يحدث من تحالفات بين بعض سلاطين الأندلس - أثناء حكم المسلمين لها - وبين بعض ملوك وأمراء الفرنجة؛ استنصارًا بهؤلاء الفرنجة ضد بعض السلاطين المسلمين الآخرين؛ طمعًا في المال أو الأرض، أو خوفًا على الجاه والسلطان.
(1) لأن المودة القلبية للكافرين كفر وردة في كل حال.
(2) مجموعة التوحيد ص126. والموالاة والمعاداة ص 35 - 36.
(3) (( ) الإكراه المقصود هو الإكراه الملجئ، الذي ينعدم فيه الرضا ويفسد الاختيار؛ فتباح عندئذ الأقوال أو الأفعال، إلا ما هو محرم على التأبيد؛ كقتل النفس بغير حق، وأما ما دون ذلك فيدفع أعظم المفسدتين بأدناهما في حق نفسه وحق أخيه على حد سواء، ويحاول أن يأتي بالمعاريض بقدر الإمكان ولو صبر على الأذى وتحمل القتل لكان ذلك أولى لمن وثق من نفسه في قوة التحمل وصلابة العقيدة. أما مجرد التهديد اللفظي والمعنوي فلا يكون إكراهًا؛ لأن الخوف من الشيء قبل وقوعه ليس إكراهًا، والاستجابة القولية والفعلية من غير إكراه ملجئ غير معتبرة ولا جائزة. فما ظنك بمن ينفذ أوامر الطغاة وهو لم يضرب سوطًا في سبيل الله؟ كيف لو ضرب أو منع راتب شهر واحد ماذا يفعل بالإسلام والمسلمين؟
(4) مجموعة التوحيد ص 296.
(5) الرسائل المفيدة ص 43.