الصفحة 66 من 86

هذه الصورة؛ وهي"الموالاة على غير الدين"- حيث إن المسلمين والكافرين هنا لا يتقاتلون من أجل دينهم، بل على مصلحة دنيوية - هذه الصورة لم يختلف علماء أهل السنة على أنها معصية عظيمة وكبيرة من كبائر الذنوب؛"طالما أن الموالي للكفار هنا عالم بمعصيته خائف من ذنبه، شأنه في ذلك شأن كثير من العصاة الذين يقترفون بعض الذنوب دون استحلال لها" [1] .

وقد ذهب بعض العلماء [2] إلى أن موالاة الكفار لأجل دنياهم موجبة للكفر والردة عن الإسلام [3] ، ويبدو"أن من حكم بردة وكفر من والى الكفار لمصلحة دنيوية، إنما قصد بذلك الذين يستبيحون لأنفسهم موالاة الكفار المحرمة، من أجل حظوظهم الدنيوية، فينكرون خطأهم، ويدافعون عن باطلهم؛ فهؤلاء حكمهم الردة والكفر، كما هو الشأن في حال كل من استحل ما حرم الله" [4] .

ويحتمل كذلك أن من يوالي الكفار (على الدنيا) قد يسقط فيما هو وراء ذلك؛ إذ قد يداهنهم"على دينهم"؛ فيسكت عن باطلهم؛ إرضاء لهم، وإيثارًا لحظه من الدنيا، وحبًا للدعة والراحة، وطلبًا للسلامة العاجلة. فيكون بذلك قد تخلى عن ركن ركين من أركان التوحيد؛ وهو المعاداة في الله والموالاة فيه؛ مما يوجب كفره وردته عن دين الإسلام.

يقول الشيخ عبد الله العنقري:(إن الموالاة هي الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم؛ وهذه هي الموالاة العامة التي إذا صدرت من مسلم لكافر اعتبر صاحبها كافرًا.

أما مجرد الاجتماع مع الكفار، بدون إظهار تام للدين، مع كراهية كفرهم؛ فمعصية لا توجب الكفر)أ هـ [5] .

(فالموالاة الخاصة، كبيرة من كبائر الذنوب، وهي المصانعة والمداهنة للكفار لغرض دنيوي، مع عدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام) [6] .

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:"إن الموالاة تنقسم قسمين:"

أولًا: موالاة مطلقة عامة؛ وهذه كفر صريح؛ وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي. وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر.

ثانيًا: موالاة خاصة؛ وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي، مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة"أ هـ [7] ."

"إن المولاة المطلقة العامة مرادفة لمعنى التولي؛ وهي بهذا الوصف كفر وردة. ومنها ما هو دون ذلك بمراتب. ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، بحسب نية الفاعل وقصده" [8] .

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:"إن الظلم يكون بحسب التولي؛ فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإسلام؛ وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دونه"أ هـ [9] .

"وموالاة المعصية قد تصل بفاعلها إلى درجة الكفر والردة عن الإسلام إذا اقترن بها ما يلي:"

أولًا: أن يوالي المسلم الكفار، وتكون موالاته لهم مع مساكنتهم في ديارهم، والخروج معهم في قتالهم ونحو ذلك. فإنه يحكم على صاحب هذه الموالاة بالكفر، كما في ظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] [10] .

ثانيًا: إذا كانت موالاة المسلم لهم بإتباع نظمهم، وتطبيق قوانينهم الجاهلية التي تبيح ما حرم الله من ربا، وزنا، وخمر، ونحو ذلك؛ وتحرم ما أحل الله من نسل، أو تزاوج، أو إرث، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر. فهذه الموالاة للكفار موجبة للكفر؛ قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

أما الموالاة التي لا تصل إلى درجة الكفر على هذا القول؛ فهي ما يلي:

(1) الموالاة والمعاداة ص40.

(2) منهم الشيخ حمد بن عتيق يرحمه الله. وينسب هذا القول أيضًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (راجع الموالاة والمعاداة) ص39. ومجموعة التوحيد ص242، 266.

(3) مجموعة التوحيد ص 295 - 296.

(4) الموالاة والمعاداة ص 40.

(5) الدرر السنية ج7 ص309.

(6) الموالاة والمعاداة ص 31، 32.

(7) الدرر السنية ج1 ص235: 236.

(8) الدرر السنية ج1 ص235: 236.

(9) تفسير ابن سعدي ج7 ص357.

(10) يقول ابن حزم - رحمه الله:"صح أن قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره؛ بأنه كافر من جملة الكفار؛ وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين". راجع المحلي ج13 ص35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت