الصفحة 65 من 86

الأمر الثالث: موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال. كما قال تعالى: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص: 86] وقال {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] وقال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9] . وهذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين في هذه الأمة؛ فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات ...

ثم ذكر قصة خالد بن الوليد عندما قدم العارض وسأل بعض بني حنيفة: ما تقولون في صاحبكم؟ - يعني مسيلمة الكذاب - فشهدوا أنه رسول الله؛ فضرب أعناقهم. واستبق مجاعة وكان شريفًا فلم يقتله، وظن مجاعة أن خالدًا يريد حبسه ليخبره عن عدوه. وقال: يا خالد، قد علمت أني قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس؛ فإن يك كذاب قد خرج فينا، فإن الله يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18] . فقال: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه - وأنت من أعز أهل اليمامة - إقرارًا له ورضاءً بما جاء به فهل أبديت عذرًا فتكلمت فيمن تكلم؟ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر؛ وتكلم اليشكري. فإن قلت أخاف قومي؛ فهلا عمدت إلي، أو بعثت إلى رسولًا؟

ثم قال: فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجاعة رضا بما جاء به مسيلمة وإقرارًا. فأين هذا ممن أظهر الرضاء، وظاهر، وأعان، وجد وشمر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته وأفسدوا في أرضه؟ فالله المستعان أهـ) [1] .

ويقول الشيخ أبو منصور الماتريدي في تفسيره للقرآن العظيم:(وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ... الآية} [المائدة: 51] يحتمل وجوهًا:

-يحتمل الولاية في الدين. أي لا تدينوا بدينهم فتصيروا أولياء لهم؛ لأن حقيقة المولاة عند اتحاد الدين؛ ولهذا قال {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ؛ فيكون هذا نهيًا عن ارتكاب الكفر بسبب اتخاذ الولاية معهم.

-ويحتمل الولاية في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصرة والمعونة صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد كفروا.

-ويحتمل أن يتخذوهم أولياء في الكسب وفي أمور الدنيا. فإنهم إذا فعلوا ذلك لابد أن يميلوا إليهم ويصدروا عن آرائهم في شيء؛ وذلك مما يفسقهم ويجرح شهادتهم؛ وذلك في الشركة والمضاربة معهم ونحو ذلك مما فيه مخالطة الأموال. فيكون النهي عن الموالاة معهم نهيًا عن ذلك كله) أ هـ [2] .

الصورة الثانية من ولاية الكافرين [3] :

جماعة من المسلمين وجماعة من الكافرين يتقاتلون على مصلحة دنيوية مال، أو أرض، أو ماء، أو جاه، أو سلطان. ثم جاء أحد المسلمين فرأى أن مصلحته الشخصية مع جانب الكفار؛ وأن انتصار الكفار على المسلمين هنا سيعيد له سلطانه أو جاهه، أو يحفظ له ماله أو أرضه؛ فتحالف مع الكفار ضد المسلمين، وناصرهم عليهم؛ من أجل تحقيق هذه المصلحة الدنيوية العاجلة.

(1) مجموعة الرسائل النجدية ص389 - 293.

(2) النهي عن الاستعانة والاستنصار ص109. وأرى أن الاحتمال الأول غير وارد؛ وإلا لأصبح في هذه الحالة معنى الآية {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} هو (ومن يتهود أو يتنصر فإنه يصبح يهوديًا أو نصرانيًا) ! وهذا كلام ينزه عنه آحاد العقلاء؛ فضلًا عن كلام رب العالمين. والله تعالى أعلم، والشاهد من هذا النقل أنه إذا كان الماتريدي المنسوب إلى المرجئة يحكم بكفر من نصر الكفار على المسلمين وأعانهم عليهم؛ فكيف بأهل السنة والحديث من السلف والأئمة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل؟!

(3) انظر الصورة الأولى ص85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت