الصفحة 69 من 86

ويجدر هنا أن نورد بعض صور موالاة الكافرين؛ والتي تكون بمجردها معصية وإثمًا؛ وإن كانت قد تتدرج بصاحبها بحسب النية والمقصد إلى أن تكون كفرًا مخرجًا من الملة.

ونود هنا أن نشير إلى أمرين مهمين:

الأول: أن خطورة موالاة الكفار تبرز في أن ضررها على المسلمين كافة أعظم من خطر من يكفر في نفسه فقط؛ ذلك أن (الإضرار بالمسلمين يزيد على تغيير الاعتقاد، ويفعله من يظن سلامة الاعتقاد، وهو كاذب عند الله ورسوله والمؤمنين في هذه الدعوى والظن، ومعلوم أن المفسدة في هذا أعظم من المفسدة في مجرد تغيير الاعتقاد) [1] .

الأمر الثاني: أن ضعف الإيمان ورقة الدين ووهن العزيمة قد تبرر لصاحبها موالاة الكافرين على حساب إخوانه من المسلمين، وأن هذا جائز من باب التقية أو الاستضعاف! ونخشى أن يكون هذا الشخص داخلًا تحت قول الإمام ابن العربي: (قال علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه، ولم يمض فيه عزيمة، لم يكن مؤمنًا. وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرًا. إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها؛ فإن الله قد عفا عنها وأسقطها) أ هـ [2] . ولا نحسب أن إعانة الكافر على المسلم من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها؛ أو مما تبيحه التقية!

يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: {لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] . يقول الطبري: (وهذا نهى من الله - عز وجل - للمؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا؛ ولذلك كسر(يتخذ) لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقيه وهي ساكنة.

ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين، من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم فإنه من يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} يعني بذلك قد برئ من الله وبرئ الله منه؛ بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ..

قال السدي: أما أولياؤهم، فيوالونهم في دينهم، ويظهرونهم على عورات المؤمنين، فمن يفعل فهذا مشرك قد برئ الله منه ..

{إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهرون لهم الولاية بألسنتكم، وتعمدوا إلى العداوة؛ ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل ..

وعن ابن عباس: إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفوهم في الدين .. وعنه أيضًا: التقاة: التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان ..

وعن مجاهد: إلا مصانعة في الدنيا؛ ومخالفة .. وعن عكرمة: ما لم يهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله .. وعن أبي العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل .. وعن الحسن: التقية جائزة إلى يوم القيامة؛ ولا يقتل ولا يأتي مأثمًا. وعنه أيضًا: ولا تقية في القتل أ هـ) [3] .

وإليك بعض صور موالاة الكفار [4] :

(1) الصارم المسلول 371.

(2) تفسير القرطبي ج8 ص36.

(3) تفسير الطبري ج3 ص228 وبعدها. يقول سيد قطب: (التقية: تقية اللسان، لا ولاء القلب، ولا ولاء العمل. وليس من التقية المرخص بها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر. كما أنه ليس من التقية أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله(الظلال ج1 ص386) . ويقول البغوي: (نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان؛ دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية. ثم هذه رخصة فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم) . أ هـ (تفسير البغوي ج1 ص336) .

(4) راجع بالتفصيل الموالاة والمعاداة ص 647 وبعدها. والولاء والبراء ص 231 وبعدها. ومجموعة التوحيد ورسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وتلاميذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت