ولقد يختلط على البعض الفرق بين تحريم موالاة الكافرين؛ بأي شكل من الأشكال، تحريمًا قاطعًا لا هوادة فيه؛ وبين الأمر بالبر والعدل ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والمعاملة بالحسنى؛ وإباحة تبادل المصالح بما يعود بالنفع على المسلمين - مع عدم الرضا عن حالهم وكفرهم - فهذه أمور غير منهي عنها.
والدليل على هذا قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
يقول الطبري: (نزلت في أسماء بنت أبي بكر؛ كانت لها أم في الجاهلية يقال لها قتيلة بنت عبد العزى، فأتتها بهدايا وضباب وأقط وسمن، فقالت: لا أقبل لك الهدية، ولا تدخلي على حتى يأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكرت ذلك عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأنزل الله عز وجل {لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ .. إلى قوله الْمُقْسِطِينَ} أ هـ [1] .
وقد روى البخاري ومسلم عن أسماء - رضي الله عنها - قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيت رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: إن أمي قدمت على، وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:"نعم؛ صلى أمك" (رواه الشيخان) .
قال الخطابي: (فيه: أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه، كما توصل المسلمة، لكن تتميز الرحم المسلمة بالمحبة والمودة القلبية والرضا؛ لأن المسلم قد تجرد من أقبح صفة يمكن أن يتصف بها إنسان على وجه الأرض؛ ألا وهي صفة الكفر ... ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة، وإن كان الولد مسلمًا) أهـ [2] .
ويقول ابن حجر: (البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه) أ هـ [3] .
ويقول ابن القيم: (الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق، وإن اختلف الدينان .. وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة وهو في غاية الغنى. وقد ذم الله قاطعي الرحم، وعظم قطيعتها، وأوجب حقها وإن كانت كافرة .. وصلة الرحم واجبة، وإن كانت لكافر؛ فله دينه وللواصل دينه ..
وقد جعل الله للقرابة حقًا - وإن كانت كافرة - فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا. قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] . وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كافرًا فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى بالإحسان إليه؟ أ هـ [4] .
"ومن هنا يتضح لنا أن الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء؛ والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر. وسماحة الإسلام أيضًا تتضح في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال والنساء في الحرب. كما هو معلوم في صفحاته المشرقة" [5] .
إذن فالموالاة عند علماء الاصطلاح شيء، والبر شيء آخر. فالبر يعني الصلة في الخير والاتساع في الإحسان؛ وقد أباح الله ذلك لطائفة من الكفار [6] .. فلفظ الموالاة ليس مرادفًا للبر في الآية - الآية الثامنة من سورة الممتحنة - ولا في مدلول اللغة.
(1) تفسير الطبري آية 8 سورة الممتحنة.
(2) فتح الباري ج5 ص 234.
(3) فتح الباري ج5 ص233.
(4) أحكام أهل الذمة ج2 ص417، 418 (لاحظ أن الكلام عن أهل الذمة وليس عن المحاربين) .
(5) الولاء والبراء ص353.
(6) (( ) هم الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم.