وانطلاقًا مما سبق؛ فيجوز مثلًا التعامل مع الكفار في البيع والشراء وخلاف ذلك مما لا يدخل في مسمى الموالاة، بل يباح للمسلم البيع والشراء مع الكفار؛ إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين؛ فلا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا، ولا ما يعينهم به على المحرمات؛ كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا، أو بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مثل أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا.
كما يجوز للمسلم السفر إلى بلاد الكفار الحربية - دار الحرب - من أجل التجارة والبيع والشراء؛ إذا كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين؛ فإذا كان لا يقدر على إظهار دينه ولا على عدم موالتهم، لم يجز له السفر إلى ديارهم.
كما يجوز قبول الوقف منهم إذا كان على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها؛ كالصدقة على الفقراء والمساكين وإصلاح الطرق والمصالح العامة؛ أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم. وأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر؛ فلا يصح من كافر ولا مسلم.
وتشرع عيادة الكافر في مرضه بغرض دعوته إلى الإسلام؛ إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في الإسلام؛ فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا [1] .
ويجوز للمسلم أن يحضر جنازة قريبه الكافر ويشيعها مع المشيعين؛ ولكن بشرط أن يكون الكافر الميت قريبًا للمسلم قرابة مباشرة؛ كأن يكون من آبائه أو أبنائه أو إخوانه أو نحو ذلك؛ وبشرط أن لا يحضر الصلاة عليه في كنيسة أو نحوها، ولا يقوم على قبره أثناء الدفن، أو يحثو عليه التراب عند مواراته [2] - إلا إذا لم يوجد هناك من يقوم بهذا العمل من الكفار، فتقدر الضرورة بقدرها - وبشرط أن يسير أمام الجنازة بعيدًا عنها قليلًا، وأن يقف بعيدًا عن القبر، فإذا أرادوا الدفن رجع، ويستحسن أن يكون راكبًا لما في ذلك من إظهار عزة المسلم واستعلائه على الكفار حسًا ومعنى؛ وبشرط أن يكون غير محارب لله ورسوله والإسلام والمسلمين.
وأما أهل العهد والذمة والمسالمون من الكفار؛ فلا يجوز حضور موتاهم أو المشاركة في تشييعها والذهاب معها إلى كنيسة أو بيعة أو نحو ذلك؛ كما لا يجوز حضور جنازة أحد من هؤلاء وقت دفنها، إذ لا يجوز حضور جنائز الكفار مطلقًا، خصوصًا حضور أماكن الصلاة على الكفار في الكنائس والبيع وما في حكمها؛ كما لا يجوز القيام على قبر الكافر وقت الدفن أيًا كان نوع كفره.
ويلحق بذلك ما إذا كان الميت كافرًا بالردة عن الإسلام، أو منافقًا ظاهر النفاق، فإنه لا يصح للمسلم الصلاة أو القيام عليه. وكذلك بالطبع الكفار المحاربون؛ فلا يجوز تشييع موتاهم ولا حضور جنائزهم على أي وجه؛ سواء مات الكافر منهم على فراشه، أو في المعركة ضد الإسلام والمسلمين، فحكمه واحد، ما دام يناصب المسلمين العداء لأجل إسلامهم.
أما مسالة التعزية للكافر؛ فإذا كان الكافر محاربًا لله ورسوله والمؤمنين فلا تجوز التعزية مطلقًا له أو فيه. أما أهل الذمة والعهد والمسالمين من الكفار فيجوز التعزية إذا كان القصد منها الملاطفة والدعوة إلى الله، وتكون بعبارات عامة مثل الأمر بالصبر على المصائب. وأما تعزية الكافر للمسلم فلم يرد ما يدل على منعها ولم يرد صيغة معينة للرد.
وأما أهل الذمة والمستأمنون في دار الإسلام أو الكفار المسالمون خارج دار الإسلام؛ فيباح تهنئتهم بالزواج والولد والعودة من السفر والسلامة من المكروه، إذا كان الغرض من ذلك حسن المعاشرة والملاطفة تمهيدًا للدعوة إلى الإسلام؛ وبشرط تقييد الألفاظ المستعملة في التهنئة بأن تكون من الألفاظ المشتركة بيننا وبينهم.
(1) فتح الباري ج10 ص119.
(2) يجوز مواراة الكافر المحارب في بئر ونحوه عند عدم من يقوم بذلك من الكفار أنفسهم.