الصفحة 75 من 86

أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم، فحرام بالاتفاق [1] ، وذلك مثل أن يهنئهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد. فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات؛ وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه [2] .

وإذا نطق الكافر بقول (السلام عليكم) فإن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية أن يقال له: (وعليك السلام) . وكذلك إذا بدأ الكافر التحية بلغة غير العربية وفهم المسلم ما يقال له فعليه الرد بالمثل. فإن هذا من باب العدل والإحسان الذي يأمر به الله {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .

وإذا شك المسلم أن الكافر يقول له: (السام عليكم) - أي الموت - فعليه أن يرد بقوله: (وعليكم) أو (وعليك) .

ويجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة؛ مثل أن يكون هناك مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، فجائز هنا الابتداء بالسلام؛ وكل ضرورة تقدر بقدرها؛ دون أن يصاحب ذلك معانقتهم أو البشاشة في وجوههم.

وزيارة المسلم للكافر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: زيارة مستحبة أو واجبة، وهي زيارة القريب أو الجار أو الزميل الكافر؛ ليعرض عليه الإسلام ويرغبه في الدخول فيه إذا رأى أن هناك فرصة أن يقبل منه الدعوة إلى الدخول في دين الله.

وزيارة مباحة؛ وهي الزيارة لقوم من المشركين لم يقصد بها الدعوة، ولم يقصد بها الطمع في شيء مما هم مختصون به، وإنما صلة للرحم وللقرابة ونحو ذلك.

وزيارة محرمة؛ وهي الزيارة التي لا يقصد بها عمل خير في سبيل الله وإنما يقصد بها الانبساط معهم والسرور لمشاهدة منكراتهم، والتعاون معهم في ذلك.

ويجوز للمسلم أن يتلقى من غير المسلم ما ينفعه في علم الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والصناعة والزراعة والأعمال الإدارية وأمثال ذلك. بل قد يجب عليه ذلك حين تنعدم الاستفادة من هذه العلوم من مسلم تقي [3] .

كما يجوز الانتفاع بهم في دلالة الطريق وما عندهم من سلاح وملابس وغير ذلك من الحاجات التي يحتاجها الناس، وجرت العادة فيها أن المسلم والكافر يستويان في الانتفاع بها.

ولكن الإسلام لا يبيح بل يرفض أن يتلقى المسلم أي شيء يتعلق بعقيدته أو مقومات تصوره، أو تفسير قرآنه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أو منهج تاريخه، أو نظام حكمه ومنهج سياسته، أو موجبات أدبه وتعبيره ممن لا يؤمن بهذا الإسلام [4] .

ولا بأس أن يستعان بالمشرك على قتال المشركين؛ سواءً للتجسس عليهم أو بالاشتراك في القتال؛ إذا دعت الحاجة لذلك؛ ولكن بشرطين: أن يكون في المسلمين قلة تستدعي ذلك؛ وأن يكون المشرك ممن يوثق به ويؤمن جانبه [5] . كما يجوز استئجار المشرك مطلقًا وفي الغزو خاصة؛ ويجوز استعارة سلاح المشرك وعدته لاستخدامها في قتال المشركين [6] ؛ دون أن يجر ذلك إلى مودتهم أو موالاتهم.

وينبغي هنا التفريق بين استخدام الكافر - في كل ما سبق ذكره - كشخص بمفرده في أمر من أمور المسلمين، وبين استخدامه كصاحب سلطة ونفوذ في أمر من أمور الدولة الإسلامية؛ بل يجب أن يظل الكافر في كافة الأحوال أجيرًا أو مستخدمًا لا نصيرًا مكرمًا، وأن لا يستقل برأي أو مشورة عن أهل الحل والعقد من المسلمين؛ بل يكون دائمًا تابعًا مأمورًا، لا آمرًا متبوعًا، لا صولة له ولا دولة يخشى منها ضرب الكفار للإسلام وأهله.

(1) ويدخل في ذلك اجتناب حضور مناسباتهم وأعيادهم من باب أولى؛ كما يدخل في ذلك تجنب تهنئة الكافر أو المنافق أو الفاسق أو الظالم بالمناصب أو الولايات؛ أو تهنئة الجاهل بمنصب القضاء، والتدريس، والإفتاء.

(2) أحكام أهل الذمة لابن القيم ج1 ص205 - 206.

(3) انظر معالم في الطريق ص131 - 132. ومجموع فتاوى شيخ الإٍسلام ج4 ص114.

(4) معالم في الطريق ص131.

(5) كما استعان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية بالخزاعي، وكان كافرًا إذ ذاك: (زاد المعاد ج3 ص301) (تاريخ الطبري ج2 ص625) ، (وملحق مصنفات الإمام محمد بن عبد الوهاب ص7) .

(6) كما استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - أدرع صفوان بن أمية في غزوة حنين؛ وهو يومئذ مشرك (زاد المعاد ج3 ص479) ، و (تاريخ الطبري ج3 ص73) ، و (سيرة ابن هشام ج4 ص83) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت