الصفحة 76 من 86

كما لا يجوز بأي حال من الأحوال الاستعانة بالمشرك في حرب البغاة من أهل الإسلام.

ويجوز للمسلم أن يدخل في حماية غير المسلم؛ إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ دون أن يترتب على هذه الحماية أية أضرار بالدعوة الإسلامية، أو أي تنازل كلي أو جزئي عن الدعوة؛ أو تغيير لبعض أحكام الدين، أو السكوت على بعض المحرمات. إذا لا يجوز الدخول في مثل هذه الحماية التي يكون ثمنها التضحية ببعض أحكام الإسلام؛ لأن الرضا بذلك أو السكوت عنه من صميم الموالاة للكفار [1] .

صورة ثالثة تتردد بين المعصية وبين الردة [2] .

* على أن هناك صورة ثالثة تتردد بين الصورتين السابقتين - صورة الموالاة على الدين وصورة الموالاة على الدنيا - هذه الصورة هي صورة الجاسوس المسلم الذي يتصل بالكافرين أو يراسلهم، ويمدهم ببعض أسرار المسلمين.

فقد يكون الجاسوس بفعله هذا مجتهدًا - اجتهادًا باطلًا - أنه يمكن أن يحقق لنفسه مصلحة دنيوية؛ دون أن يؤثر على مسار المعركة بين المسلمين والكافرين؛ وأن انتصار المسلمين على الكافرين حتمي؛ فيكون بهذا الفعل عاصيًا معصية كبيرة، ولكنه ليس مرتدًا؛ حيث إن مناط (التولي) للكافرين والذي يخرج صاحبه بمجرده عن الملة ليس متحققًا بمجرد هذا الفعل.

وقد يكون الجاسوس قاصدًا العمل على انتصار الكافرين وهزيمة المسلمين - حتى ولو كان ذلك لغرض دنيوي - فيكون بهذا الفعل مرتدًا؛ حتى ولو لم يكن محبًا للكافرين أو راضيًا عن دينهم.

وكلامنا هنا في حالة القتال (على الدين) بين المسلمين والكافرين؛ وأما القتال على الدنيا فتلحق الحالة بالصورة الثانية.

والذي يفرق بين المقصدين؛ في حالة الجاسوس؛ مقصد تحقيق المصلحة الدنيوية دون الإضرار بالمسلمين، ومقصد العمل على انتصار الكافرين ودلهم على عورات المسلمين؛ الذي يفرق بين المقصدين هو ملابسات العمل الظاهر نفسه، ودلائله الحالية والمقالية التي بها يختلف حكم الفعل والتكييف الشرعي له.

إذ بالعمل الظاهر وحده يتعلق الحكم الشرعي؛ لا بالفعل المحسوس المجرد عن القصد - فهذا لا تكييف له - ولا بالاعتقاد الباطني المتعذر الوقوف عليه - فهذا لا تقييد به - بل العمل الظاهر هو الذي يتعلق به حكم الفعل وتكييفه الشرعي [3] .

ولذلك كان الصحيح في حكم الجاسوس المسلم أن يرفع أمره إلى إمام المسلمين، ليحقق في ملابسات الحالة، ويتعرف على التكييف الشرعي لفعله بالوقوف على القصد، والذي قد يكون متضحًا تمامًا من الفعل، وقد يكون محتاجًا إلى مزيد بحث وسؤال وتحرٍ.

ثم قد يقتل هذا الجاسوس بعد ذلك كفرًا وردة، ولا يستتاب كالزنديق؛ وقد يقتل حدًا؛ وقد يعاقب بما دون ذلك. حسب نتيجة التحقيق في ملابسات حالته؛ وحسب القصد الظاهر من هذه الملابسات، والذي يحدد التكييف الشرعي، ومن ثم العقوبة المقررة.

(1) إذا وجد قوم من الكفار المحايدين؛ الذين لا يقفون مع أعداء الإسلام ضد المسلمين؛ بل يرغبون في التعامل مع المسلمين على أساس السلم، وتبادل المنافع، وإطلاق حرية الدعوة إلى الله بين أفرادهم وداخل مجتمعاتهم؛ فإن الأدلة الشرعية تقرر وجوب مسالمتهم، فما دامت حرية الدعوة إلى الإسلام مكفولة، فليس هناك حاجة إلى الحرب أو القتال؛ حيث لا يلجأ إلى جهاد الكفار إلا إذا أبوا حرية الدعوة، وحالوا بين المسلمين وبين إبلاغهم كلمة الحق، وكادوا للإسلام وأهله. وهؤلاء الكفار المسالمون المحايدون لا تجب معاداتهم عداوة المحاربين، ولا تصح موالاتهم موالاة المؤمنين؛ وإنما يعاملون بالعدل والإحسان والبر والصلة بالمعروف وكف الأذى والعدوان عنهم؛ ويجوز استخدامهم للدعاية لصالح المسلمين وإيقاع الرعب والهزيمة المعنوية في الكفار المحاربين. كما يجوز للمسلمين تأييدهم إذا حدث نزاع بينهم وبين طائفة أخرى من الكافرين (الموالاة والمعاداة ص 620 وبعدها) .

(2) الصورة الأولى ص 85، والصورة الثانية ص118.

(3) حد الإسلام للشاذلي ص 527 - 528.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت