عن علي - رضي الله عنه - قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد، فقال:"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب"فخرجنا تعادي بنا خيلنا؛ فإذا نحن بظعينة؛ فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته عن عقاصها فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ؛ فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي؛ إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة؛ فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا؛ والله ما فعلته شكًا في ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنه قد صدق"فقال عمر: يا رسول الله؛ دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنه شهد بدرًا؛ وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] [2] .
وواضح أن حاطبًا رأى أنه يمكنه أن يفيد من أمر لن يضر المسلمين؛ بل إن الصيغة التي كتب بها الخطاب تعتبر بمثابة حرب نفسية ضد الكفار، حيث يقول: (أما بعد؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل؛ وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم؛ فإن الله وليه وناصره) [3] .
وفي رواية (أنه لو قاتلكم وحده لانتصر عليكم؛ فإن الله وعده النصر، وهو لابد لاقيه؛ ومع ذلك فقد جاءكم بما لا قبل لكم به، فسارعوا إلى الإسلام) .
سقطة في لحظة الضعف البشري، افتقد فيها التوكل، ووقع في سوء التأويل، دفعه إلى ذلك تصرف فردي واجتهاد شخصي لمصلحة خاصة؛ ولكن أبدًا لم يذهب به القصد إلى مظاهرة المشركين لتغليبهم على المسلمين؛ أو دلهم على عورات المسلمين، ومقاتلهم التي لا نجاة للمسلمين منهم بعدها.
ولقد تبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - قصده، وقال إنه قد صدق؛ وانصرف التكييف الشرعي هنا إلى معصية خيانة السر؛ وهي معصية لها عقوبتها؛ ولم ينصرف إلى وصف (التولي) للكافرين، والذي يخرج بصاحبه عن دائرة الملة الإسلامية [4] .
ولقد درأ عن حاطب عقوبة خيانة السر هنا؛ والتي طالب بها عمر - رضي الله عنه - لا مجرد ثبوت الإسلام له، بل علة أخص من ذلك؛ وهي أنه من أهل بدر، وأن الله - عز وجل - قد غفر لأهل بدر؛ إذ لو كانت العلة أمرًا عامًا لكانت العلة الخاصة عديمة التأثير؛ وحيث إن الحديث علل صرف العقوبة بالأمر الخاص امتنع أن يكون الأمر العام علة لذلك. ولهذا كان الأرجح في عقاب الجاسوس القتل حدًا، أو أن يترك لرأي الإمام [5] .
أما من كان ولاؤه للكافرين؛ لأي سبب من الأسباب؛ وظهر (توليه) لهم، بالقرائن الظاهرة؛ والدلائل الحالية والمقالية؛ أو لم يكن له ولاء إلا لمصالحه وشهواته ليس غير؛ عرف ذلك مما أخذ عليه؛ فهذا حكمه الكفر؛ ولا شأن لنا باعتقاده، فهذا ما لا يمكن الوقوف عليه؛ وإن كنا نعتقد فساد باطنه تبعًا لفساد ظاهره؛ فلا نوقف الحكم على استكشاف الباطن، بل نحكم على الباطن بمقتضى الظاهر؛ هذه قاعدة أهل السنة والجماعة.
(1) في رواية مسلم (فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أ هـ. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكتم وقتها أمر تجهزه لغزو مكة، وكان حاطب من القلائل الذين يعرفون بهذا السر.
(2) رواه الأئمة واللفظ هنا للشافعي في الأم.
(3) تفسير القرطبي ج18 ص50، ونيل الأوطار ج8 ص156.
(4) حد الإسلام ص 527 وما بعدها.
(5) زاد المعاد ج2 ص68 الفقه المستفاد من غزوة الفتح، وتفسير القرطبي ج18 ص52 - 53. والدرر السنة ج1 ص235.