الصفحة 81 من 86

إن كل هذه الأنظمة القائمة اليوم في الأرض على المناهج البشرية والمذاهب الوضعية، والتي لا تستمد شرعية وجودها من الكتاب والسنة - هي أنظمة محادة لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ وأي تقبل لها أو خضوع لوضعيتها، أو عمل بمبادئها- فإن ذلك موالاة صريحة للكفار وبراءة صريحة من الإسلام؛ والله قد بين لنا في كتابه العزيز أن من تولى الكفار فهو منهم. والمسلم هو الذي يتحلى بالمفاصلة الكاملة بينه وبين من ينهج غير منهج الإسلام، أو يرفع راية غير راية الإسلام. والمسلم لا يخلط بين منهج الله - عز وجل - وبين أي منهج آخر وضعي، لا في تصوره الاعتقادي ولا في نظامه الاجتماعي ولا في أي شأن من شئون حياته.

إن الفوارق بين الإسلام والكفر لا يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة أو المصانعة أو المداهنة، والشخصية الإسلامية شخصية واضحة قوية متميزة بارزة المعالم، ترى دلائل الإسلام ظاهرة فيها وفي كل حركة من حركاتها. والبر والقسط والإحسان مع غير المسلمين ليس معناه احترام أباطيلهم ومشاركتهم في كفرهم أو الرضا والسكوت عما هو من خصائص كفرهم. والمسلم لا يتعاطف مع أعداء الله، ولا يتعاون معهم بقول أو بفعل؛ إذ لا يتعاون مع الكفار ولا يتعاطف معهم ولا يدافع عنهم إلا كافر مثلهم. والمسلم ينطلق في تعامله مع الناس من قاعدة الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله؛ فيحب أهل الإسلام ويواليهم، وإن كانوا بعيدين عنه نسبًا ووطنًا؛ ويبغض أهل الكفر ويعاديهم، وإن كانوا قريبين منه نسبًا ووطنًا.

والمسلم الذي يعطي ولاءه لتلك الروابط الجاهلية؛ كالوطنية والقومية - لم يعد مسلمًا؛ فإن الله يأبى علينا - نحن المسلمين - أن نعطي ولاءنا إلا لمن يرتبط معنا برباط الإيمان والإسلام، والموالاة على أية آصرة من الأواصر غير آصرة الإسلام باطلة شرعًا ومخرجة لصاحبها عن الإسلام؛ ومن أعطى ولاءه للكافرين فقد صار منهم.

إن الولاء لله - عز وجل - هو من أهم ما يوزن به إيمان الإنسان بربه؛ ولا يكون المرء من حزب الله إلا إذا حرر ولاءه ومودته؛ فلم يعط أحدهما لعدو الله مهما كان نوعه؛ بل يعطي ولاءه لله ورسوله والمؤمنين بهذا الدين؛ وهذه هي الصفة الأولى للمؤمنين؛ فلا ولاء في الإسلام إلا على أساس هذا الدين ومنطلقاته النظرية والعملية؛ وكل آصرة جاهلية يعطي الناس ولاءهم على أساسها هي آصرة باطلة فاسدة؛ بل المؤمنون وحدهم هم الذين تجب موالاتهم فالمسلم يجب عليه وجوبًا شرعيًا أن يناصر المسلمين، ويهتم بأحوالهم، ويشاركهم في آمالهم وآلامهم مشاركة مادية ومعنوية، خاصة إذا كانت شعوبهم بأكملها تقريبًا ترزح تحت سيطرة الأنظمة والحكومات الكافرة والمرتدة والعميلة.

إن الذين يوالون الكافرين طالبين رضاهم يطلبون المستحيل؛ لأن رضا الكافرين لن يتم بما هو دون الكفر، فهم لن يرضوا عن مسلم حتى يتبع ملتهم ويدخل في دينهم ولو رويدًا رويدًا. وأول خطوة في ذلك هي أن يشتروا بعض علماء السوء وفقهاء السلطان الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ثم يستصدرون منهم الفتاوى التي تؤيد ما هم عليه من كفر وردة، ثم يطلبون من العوام أن يؤيدوهم في مواجهة أهل الحق، والذين هم عندهم شرذمة قليلون، من الأصوليين، أو الإرهابيين، أو المتطرفين الخارجين عن الشرع، وعن طاعة أولي الأمر!

ولذلك فعلى المسلم أن يقف منذ البداية موقفًا صلبًا من أعداء الإسلام والمسلمين، وأن لا يتنازل عن شيء من واجبات الإسلام، مهما كانت الدوافع والأسباب؛ وأن يقاطع أهل الشرك، ويفاصلهم، ويتبرأ منهم ومن شركهم، ويجاهدهم، ويكفرهم، إذ لا يكون الرجل موحدًا إلا بهذا، وهو مقتضى كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) . فلا يصح للرجل دين إلا بموالاة أهل التوحيد، ومعاداة أهل الضلال وبغضهم والبراءة منهم؛ كما تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار؛ وكما تبرأ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، من كفار قريش ومن حذا حذوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت