الصفحة 6 من 19

خلاف ذلك. والحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح حديث: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يقول: وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] ، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى. وقال الشيخ علي بن عروة: حكى ابن جرير في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) قولين: الأول: أن القائلين هم المسلمون منهم. والثاني: أنهم أهل الشرك منهم، فالله أعلم. يقول: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا) . إذًا: لم يقتصر على عدم كونه في شريعتهم، بل لعنهم الله من أجل بناء المساجد على القبور. وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر بأن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من المواعظ والأخبار وغيرها. يقول الألوسي: واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء، واتخاذ المساجد عليها، وجواز الصلاة عندها، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد. ثم أتى بالأحاديث الثابتة في تحريم بناء المساجد على القبور، وأتبعها بكلام الحافظ الهيتمي في بيان أن ذلك من الكبائر. ثم قال: وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك أفتوا أنها تهدم، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام أخذًا من كلام ابن الرفعة في الصلح، فإن الله سبحانه وتعالى قص علينا بلا إنكار. أي: إن قالوا: إن ربنا حكى كلام هذه الفئة: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] ولم ينكر عليهم نقول: نعم لم ينكر سياق القرآن صراحة عليهم، ولكن إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ولعنهم على هذا الفعل واضح، وإنكار الرسول كإنكار الله، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80] . فيقال لهم: هل تنكرون السنة؟ فإن كانوا ينكروا السنة فإنهم فرقة ضالة تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كانوا يؤمنون بالسنة فقد ثبت في السنة إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل، وأنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، فالآية ليست خارجة مخرج المدح لهؤلاء الناس، وليس فيها -أيضًا- ما يحضنا على التأسي بهم. ومتى يمكن القول بأن عدم إنكار الله سبحانه وتعالى على هؤلاء القوم يعني إباحة هذا الفعل؟ نقول: ذلك إذا كان في وسطهم شخص معصوم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصومًا -أي: نبيًا مرسلًا- فلا يدل فعلهم -فضلًا عن عزمهم- على مشروعية ما كانوا بصدده؛ لأنه ما كان فيهم رسول، لكن هؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت