في هذه الكلمة (الصدق) فإنك إذا سئلت: هل تسرق؟ فإن قلتَ: لا وأنت قد سرقت وقعت في الكذب، فخالفت العهد الذي عاهدت الله عليه، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (عليكم بالصدق) ؛ لأن الصدق من شأنه أنه هادٍ إلى البر، والبر يشمل جميع أنواع الخيرات، فلذلك كان بعض الشيوخ إذا أتاه بعض أتباعه أو تلامذته تائبًا وسأله عن التوبة، وأراد هذا الشيخ أن لا يشتت ذهنه، وأن لا يشوش فكره بكثرة التكاليف يقول له: عليك بالصدق. فيأمره بالصدق لأنه إذا أمره بالصدق فأتى فقال له: صليت أم لم تصل؟ فإذا كان التزم الصدق فسيقول: لم أصل. وإن خالف فسيقع في الكذب، فإن لزم الصدق فإنه سوف يتحرج من أن يقع في الفعل الذي يوجب توبيخه ومعاتبته، فمن ثم كانت الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الصدق؛ لأن الإنسان إذا استطاع أن يتصف بصفة الصدق وتحرى الصدق -أي: التدقيق والاحتياط الشديد في الصدق- فإنه تفتح له جميع أبواب الخيرات، قال صلى الله عليه وسلم (فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) .
أعلى الصفحة
بعض الناس يمارس أحيانًا نوعًا من الإرهاب الفكري، وهذا يحصل من بعض الصوفية وأصحاب المنامات، فيمارسونه ضد من يكشف أخطاءهم ويبين ألاعيبهم، فترى في المنام أنه يخوفك إن أنت خالفته، ويهددك بأنه سيحصل لك كذا وكذا، وهذا النوع من الإرهاب لا يخيف إلا ذوي العقول الخفيفة، لكن الإنسان لا يبالي أبدًا ما دام على الحق من الكتاب والسنة الذين هما المقياس الذي يحكم به على أي شيء، حتى لو كان مخالفه صاحب سلطة ونفوذ ما دام معه الكتاب والسنة. وكتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، وقد ارتبطت كثير من الأخطاء التي وجدت في هذا الكتاب بمراحل حياة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد مرّ الإمام الغزالي بمراحل ومحن نفسية كثيرة. والإمام الغزالي -كما يشهد له كثير من العلماء- من الأذكياء النوادر في العالم بلا شك، وقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته، وكان على فقه عظيم جدًا، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، وله مؤلفات في أصول الفقه، ومؤلفات في العقيدة والأخلاق وغيرها، لكن ما اشتهر الإمام الغزالي بشيء من كتبه كما اشتهر بكتابه (إحياء علوم الدين) وليس المجال مجال التفصيل في حسنات هذا الكتاب، ولا مجال تفصيل في أخطائه أو أخطاره التي لو عششت في قلب أو عقل مؤمن ستقوده إلى كثير من الضلالات للأسف الشديد. وهناك بعض الصوفية اختلقوا وكذبوا كذبةً، وجعلها الشيخ عبد القادر