الصفحة 9 من 19

له وجاء). ووجه دلالة هذا الحديث على المقصود أن الشارع أرشد عند العجز عن مؤن النكاح إلى الصوم فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) ، ولو كان الاستمناء مباحًا لبينه في هذا الموطن، لكنه سكت عنه، فدل على أن ذلك حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، كما بيّنا أن سكوت الشارع في معرض البيان لشيء من أفعال المكلفين عن شيء آخر يشبهه أو يجانسه لا يكون نسيانًا ولا ذهولًا -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا-، ولكن يفيد قصر الحكم على ذلك الشيء المبين حكمه، ويكون ما عداه -وهو المسكوت عنه- مخالفًا له في الحكم وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] . وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على حرمة الاستمناء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم فقال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهل، وهذا الفعل لو كان مباحًا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إليه، فهو أسهل من الصيام، وإن كان الصيام فيه ترك والاستمناء فيه فعل، لكن الاستمناء أسهل من الصوم؛ لأن الصوم وإن كان تركًا لكنه أشد من الفعل، وأشق على النفس من كثير من الأعمال؛ لأن الصوم حبس للنفس وكبح لها عن شهواتها، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) ، فهذه المزّية لم تكن للصوم إلا لما فيه من المشقة، أما الاستمناء -وإن كان فعلًا لا تركًا- فهو سهل يسير موافق لغرض النفس، ولا يستغرق من الزمان ما يستغرقه الصوم، فلا جرم أن العدول عنه إلى الصوم دليل على حرمته، فيكون في الحديث دلالة على حرمة الاستمناء من وجهين: الوجه الأول: السكوت عنه في معرض البيان، حيث قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ولم يفتح أي باب آخر لقضاء الشهوة سوى هذا الباب، وهو باب النكاح أو الصيام، ولم يذكر الاستمناء. الوجه الثاني: أنه عدل عنه إلى الصوم الذي هو أصعب. وقد وردت جملة أخبار عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص لهم في الاختصاء -وهو حرام في الآدميين؛ لأنه من تغيير خلق الله- ليدفعوا به مشقة العزوبة عن أنفسهم، ويستريحوا من عناء شهواتهم وعناء مقاومتها، فلم يرخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرشدهم إلى الصوم، فلو كان الاستمناء جائزًا لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل من الاختصاء، والاختصاء إجراء عملية جراحية لإزالة الخصيتين، فهذا الأمر لو كان مباحًا لكان أسهل من الاختصاء وأسهل من الصوم، فلمّا لم يرشد إليه دل على أنه حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر. ومن هذه الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنَتَ، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي أن أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت