قالوا: إن فيما تروون ما يؤيد مذهبنا، بل هو في صحيح البخاري، ما هو؟! قالوا: قول أبو هريرة - رضي الله عنه:"إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذت عنه جرابين من العلم فأما واحد فبسطه بينكم، وأما الآخر فلو ذكرته لقطع مني هذا البلعوم"قالوا: إذًا أبو هريرة كتم شيئًا من العلم إذًا أبو هريرة عنده باطن لم يقله في الناس، فهذا يؤيد ما نذهب إليه أن هناك علوم لا ينبغي أن يعرفها الناس تخالف ظاهر ما يعرفون وإلا ضلوا.
فالجواب: أن هذا حق اختلط بباطل كثير نعم لا ينبغي أن يحدث الناس إلا بما يعرفون كما أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - وكما فهم أصحابه. روي مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"وهذا شيء طبيعي أن تنزل الكلام علي قدر عقول الناس.
فيجوز لك أن تكتم بعض العلم عمن تتصور أنه يفسد إذا ألقيت عليه هذا العلم: هذا أمر لا ينكر في الشريعة وله شواهد كثيرة فمثلًا قام رجل يخطب في إحدى القرى الأرياف، والغالب علي الأرياف أنهم فلاحون بسطاء لعل أكثرهم لم يتلقي شيئًا من العلم القراءة والكتابة أبجديات فصعد علي المنبر ففسر قوله تعالي: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} (الحديد:20) فالكفار هنا هم الزراع القاعدون قالوا: تحكم علينا بالكفر، أنحن كافرون؟! قال لهم: لا، المقصود كذا لم يسمع أحد اقرءوا ابن كثير، اقرءوا ابن جرير اقرءوا الطبري، اقرءوا القرطبي، يقرأ من؟! أنت تحدث رجل جاهل ورجل عامي، فهذا هو الخطأ أن يأتي علي أقوام لا يفهمون