ونقل النووي عن القاضي عياض قوله: (واختلف السلف في معنى حديث العرنيين، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه) [[1] ].
وهذا الذي مال إليه النووي في شرحه حديث بريدة، حيث قال: (وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة) [[2] ].
وبناءً على ذلك أقول - وبالله التوفيق: بتأمل نصوص الشرع ومقاصده، وأفعال الصحابة الكرام، وأقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى، يظهر أن النهي عن المثلة ليس على إطلاقه بل هو مشروع في أحوال حتى عند من قال: إن النهي عن المثلة على التحريم.
الحالة الأولى: أن يكون التمثيل معاملة بالمثل:
ويستدل لذلك بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [[3] ].
قال الشعبي وابن جريج: (نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثِّل بهم لنمثِّلن بهم، فأنزل الله فيهم ذلك) [[4] ].
وقال القرطبي: (أطبق جمهور أهل التفسير على أن هذه الآية مدنية، ونزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري في كتاب السير، وذهب النحَّاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله، لكن ما روى الجمهور أثبت، روى الدار قطني عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله
(1) شرح النووي لصحيح مسلم (154/ 11)
(2) (37/ 12) ، وانظر (فقه الجهاد والقتال) لمحمد حسنين هيكل (1306/ 2)
(3) (النحل: 126)
(4) ابن كثير (653/ 2)