لقد صنّف كتاب سيبويه، بأنّه كتابٌ في النّحو، حيث كان يقال في البصرة: قرأ فلان الكتاب فيعلم أنّه كتاب سيبويه، يقول أبو الطيّب اللغوي:"هو أعلم النّاس بالنّحو بعد الخليل، وألّف كتابه الذي سمّاه النّاس، قرآن النّحو" [1]
ويقول الدكتور حسن عون:"لقد استطاع سيبويه أن يتمثل صورة الموضوع الذي يعالجه، رغم ضخامتها، ومنهج الدّرس، رغم بدائيّته، تمثّلًا يقوم على النّظر في اللفظ المفرد أو الكلمة، ثمّ الجملة والتركيب، وقد جمع فيه قضايا النّحو مع قضايا الصّرف، إلى جانب القضايا المتعلّقة بالأصوات والدّلالة ..." [2] .
ثمّ جاء المازني، وهو من أوائل من خصّصوا للأبنية الصّرفيّة كتبًا مستقلّة، وكتابه (التصريف) أقدم كتاب مستقلٍّ كاملٍ، وصل إلينا في الأبنية الصّرفيّة، وهو كتابٌ نفيسٌ جمع فيه موضوعات التّصريف المتناثرة، في كتاب سيبويه، ونظمها لأوّل مرّة، وصاغها صياغة مستقلّة إلى أبعد حدود الإتقان. وقد حظي هذا الكتاب بشرح ابن جنّي له، الذي ألمع في مقدمته، أنّ على طالب النّحو أن يبدأ بتعلّم الصّرف، قبل أن يتوجّه إلى تلقّي النّحو، فقال في مقدّمة شرحه:"التصريف إنّما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة، والنّحو إنّما هو لمعرفة أحواله المتنقّلة ... وإذا كان ذلك كذلك، فقد كان من الواجب، على من أراد معرفة النّحو أن يبدأ بمعرفة التصريف، لأنّ معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن تكون أصلًا لمعرفة، حاله المتنقّلة، إلاّ أنّ هذا الضرب من العلم، لمّا كان عويصًا صعبًا، بدئ قبله بمعرفة النّحو، ثمّ جيء به بعد ليكون الارتياض في النّحو مُوَطّئًا للدخول فيه، ومعينًا على معرفة أغراضه ..." [3]
وقد ظلّ علماؤنا القدامى، يطلقون النّحو على ما يشمل الصّرف، حتّى الذين وضعوا كتبًا مستقلّة في الصّرف، كما هي الحال عند المازني ومن جاء بعده، من العلماء. حيث اشتمل النّحو عندهم على الأصوات والصّرف والنّحو والدلالة، وهذا يدّل على فهمهم العميق لمفهوم النّحو ووظيفته ويتفق مع وجهة نظر علمائنا المحدثين.
أثر المازني فيمن جاء بعده (المبرّد - الفارسي) :
قدّم المازني إلى علم الصّرف، إضافاتٍ حقيقيّة، تمثلت في أنّه أوّل من وضع كتابًا مستقلًا في الصّرف، فضلًا عن كثير من الآراء المتفرّدة، والأقيسة الخاصة، التي نسبها من جاء بعده إليه، لذلك كان موقف علماء التصريف منه، موقف الوارد الناهل، فراح كلٌّ منهم، يأخذ منه ما يلائم مذهبه، وبذلك اختلفت درجة التأثّر من عالم إلى آخر، وسنحاول ـ فيما يأتي ـ أن نتعّرف على أثر المازني في المبرّد والفارسي، اللذين كانت لهما إضافاتهما الحقيقيّة إلى هذا العلم.
(1) - مراتب النّحويين, لأبي الطيّب اللغوي, تح. محمد أبو الفضل إبراهيم, دار نهضة مصر, القاهرة, ط 2 (1394 هـ,1974 م) ص 110.
(2) - تطوّر الدّرس النّحوي, لـ. د. حسن عون, نشر معهد البحوث والدّراسات العربية, القاهرة, ط (1970 م) ص 37 - 41.
(3) - تصريف المازني (المنصف لابن جنّي, شرح لتصريف المازني) , تح. محمد عبد القادر أحمد عطا الله, دار الكتب العلمية, بيروت, ط 1 (1999 م) ص 34.
(4) - ينظر في ترجمته بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنّحاة, للسّيوطي, تح محمّد أبو الفضل إبراهيم, مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة, ط (1384 هـ, 1864 م) ج 1 ص 269.