فهرس الكتاب
وقوله:"اعلم أنّ الأفعال منها ما تُعَلّ ويسّكن موضع العين وتحوّل حركته، وتزال عن أصله، كلّ هذا يفعّل به، وسأبين ذلك إن شاء الله ..." [1] . ولعلّ ذلك يدفعنا إلى التأكيد على أثر الأستاذ الواضح في تلميذه، فهما ينتهجان الأسلوب نفسه، من حيث عرض الظاهرة مجملةً ثمّ التفصيل فيها.
وتبدو الطريقة الاستطراديّة هي الغالبة في تأليف المقتضب، وهذا ما لا نجده جليًّا عند المازني، الذي يميل إلى الاختصار في كثير من الموضوعات التي يتناولها، فلم نلمح استطرادًا سوى في موضوعات الإعلال والإبدال وإدغام المتماثلين.
وقد سار أبو العبّاس المبرّد في كتابه، على هدى شيخه، حيث جاء بمسائل وبتمريناتٍ، بعضُها في النّحو، وبعضها في التّصريف، ثمّ جاء بمسائل التّصريف وموضوعاته، في الجزء الأوّل من المقتضب، وكان له فضل السّبق في ذلك. وهذا يخالف ما ذهب إليه ابن جنّي منْ أنّ موضوعات التّصريف ومسائله تأتي في النهاية. فجعلها ضمن مباحث النّحو وجزءًا منه. ولعلّ مباحث التّصريف عند المبرّد، لا تختلف عن مباحثه عند المازني، غير أنّه أدخل باب الهمزة ضمن أبواب التّصريف، وقد بدأ باب التصريف بقوله:"وهذه حدود التصريف، ومعرفة أقسامه، وما يقع فيه من البدل والزّائد والحذف، ولا بدّ أن يُصدَّر بذكر شيءٍ من الأبنية لتُعرَف الأوزان، وليُعلم ما يُبنى من الكلام وما يمتنع من ذلك" [2] . وهذا ما فعله المازني، حيث صدّر كتابه (التّصريف) بذكر شيء من أبنية الأسماء والأفعال، معلّلًا ذلك بالقول:"وإنّما كتبت لك في صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة، لتعلم كيف مذاهب العرب، فيما بنت من الأسماء والأفعال، فإذا سُئلت عن مسألة فانظر: هل بنت العرب على مثالها، فإن كانت بنت فابنِ مثل ما بنت، وإنْ كان الذي سُئلت عنه، ليس من أبنية العرب فلا تبنه، لأنّك إنّما تريد أمثلتهم، وعليها تقيس" [3]
وبذلك يضع المبرّد موضوعات الصّرف في الحدود التي رسمها المازني لها، غير أنّه لم يأخذ، بما قدّمه أستاذه، فيما يتعلّق بتصنيف كتاب مستقلّ في الصّرف، بل درس الصّرف وموضوعاته، إلى جانب موضوعات النّحو، في كتاب واحدٍ، مقدّمًا دراسة الصّرف على النّحو، وبذلك يكون ممهّدًا وخادمًا له، يؤيّد ذلك تقديمه موضوعات في التصريف، قبل موضوعات النّحو، والتابع للشيء، يأتي بعد عرض الشيء لا قبله.
مثّل كتاب (التصريف) ، مادّة غنيّة للمبّرد، اعتمد عليه في كثير من مواضع كتابه، ولعلّ أبرز مظاهر تأثّره، أنّه:
* كان يستعين بأمثلة المازني، مع الإشارة إلى مصادرها، نحو قوله، في باب مصادر الأفعال إذا جاوزت الثلاثة صحيحها ومعتلّها. والاحتجاج لذلك وذكر أبنيتها:"وقد يجيء في الباب، الحرف و الحرفان على أصولهما، و إن كان الاستعمال على غير ذلك، ليدلّ على أصل الباب، فمن ذلك: (استحوَذَ عليهمُ الشيطان، وأغيلَتِ المرأة) . المستعمل في هذا، الإغيال على ما يجده في كتاب التّصريف نحو: (استجاز و أقام و استقام) " [4]
* وأحيانًا يستعين بأمثلة المازني و شواهده، دون الإشارة إلى مصادرها: من ذلك قوله في باب اسم الفاعل و المفعول من هذا الفعل"إذا اضطّر شاعر، جاز له أن يردّ (مبيعًا) ، وجميع بابه إلى الأصل فيقول (مَبْيُوع) ، كما قال علقمة بن عبدة:"
(1) - المصدر السابق, ص 213.
(2) - المقتضب ج 1 ص 173.
(3) - تصريف المازني ص 114.
(4) - المقتضب, ج 2 ص 98, وينظر تصريف المازني, ص 242.