الدّولة، وقد أتاه في الجزء الثاني من (الإيضاح) :"غضب الشيخ، فأتى بما لا نفهمه نحن، ولا هو" [1] ولهذا قال ابن الشجري، يصف كلامًا له في (التكملة) :"قد ألغز في كلامه هذا، فإنّه في كلام أبي علي أغمض منه، في كتاب سيبويه ..." [2]
وقد اشترك المازني والفارسي أيضًا، بمنطقٍ جدليٍّ مازج النّحو، حيث بدا إقحام المنطق في النّحو واضح الملامح عند كليهما، ولكن يجب الإشارة هنا، إلى أنّه"على الرّغم من أنّ مدرسة أبي علي كانت تتميز بالمنطق وأقيسته، فإنّها لم تتعمّق فيه إلى حدّ المغالاة". وهذا ما ظهر أيضًا في منطق المازني الجدلي.
وقد حرص أبو علي على الإتيان بالتعريفات كثيرًا، فهو يعرّف المقصور قائلًا:"ما كان آخره ألفًا وكانت منقلبة عن ياءٍ أو واوٍ مزيدة للتأنيث أو للإلحاق" [3] والممدود: ما وقعت ياؤه أو واوه طرفًا بعد ألف زائدة" [4] . وقد جاءت تعريفاته ومصطلحاته واضحة كاملة، فيها تحديدٌ دقيق لماهيّة المعرّف به، وهذا مالا نجده عند المازني الذي لم يولِ أهميّة للمصطلحات والحدود، بينما نجد حدود الفارسي واضحة منذ بداية كلامه على الشيء كما في باب التثنية والجمع، حيث يقول في أوّل الباب:"لا يخلو الاسم المثنى من أن يكون صحيحًا أو معتلًا ... والمعتلّ ما كان آخره ألفًا أو ياءً مكسورًا ما قبلها أو همزة، فما كان آخره ألفًا فعلى ضربين ..." [5] "
وعلى الرّغم من مهارة الفارسي القياسيّة وشهرته بالتوسّع في القياس، إلاّ أنّه بقي ملتزمًا بعدم البناء على غير ما بنت العرب. ويلتقي بذلك مع المازني.
وقد فاق الفارسي المازني في المنهج التعليلي، فإذا كانت الخفّة والثّقل، أصلين أساسين لمعظم تعليلات المازني، فإنّ الفارسي، ينوّع في تعليله الظواهر الصّرفيّة التي يتناولها، فلا نجده يقف أمام ظاهرة صرفيّة، إلاّ متناولًا إيّاها بالتعليل، فلا تعجزه مسألةٌ- مهما شذّت-. في الوقت الذي نجد فيه المازني، يسلّم بما لم يستطيع تعليله قائلًا:"واعلم أنّ العرب يحذفون الشيء، وفي كلامهم ما هو أثقل منه، ويستثقلون الشيء وفي كلامهم ما هو أثقل منه ممّا يتكلّمون به، فعلوا هذا، لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون، وكل ما فعلوا فله مذهبٌ وحكمة، فضع الأشياء حيث وضعوا، واتّقِ ما اتّقوا وقس على ما أجروا، تُصبِ الحقّ إن شاء الله" [6] .
مثّل كتاب سيبويه، المصدر الأساس للمادّة الصّرفيّة في (التكملة) ممّا جعل حضور المازني ضعيفًا، إلاّ فيما خالف به سيبويه، ومن مظاهر استعانته بالمازني:
* أنّه كان يعرض آراءه، بوصفه يمثّل مذهبًا مستقلًا، يمكن الإفادة منه، وذكره على سبيل الاستئناس به، لا الرفض أو القبول، من ذلك ما جاء في باب ما كان معتلّ الفاء في باب ما بني من هذا الباب على مثال افتعلْتُ، حيث ورد:"الواو إذا وقعت في أوّل الكلمة، لم تخلُ من أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة .. ، فإذا انضمّت جاز إبدالها"
(1) - ينظر التكملة, ص 23.
(2) - أمالي الشجري, هبة الله بن علي بن حمزة, دار المعرفة بيروت, ج 2 ص 57, وينظر التكملة, ص 24.
(3) - التكملة, ص 272.
(4) - المصدر السّابق, ص 274.
(5) - التكملة, ص 221.
(6) - تصريف المازني, ص 521.