الصفحة 4 من 12

بعد موت المازني، صار المبرّد إمام النحويين [1] ، فقد مثّل جبلًا في العلم، وقد أشار إلى ذلك ابن جنّي قائلًا:"مثّل المبرّد جبلًا في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا، وهو الذي نقلها وقرّرها، وأجرى الأصول والفروع والعلل والمقاييس عليها" [2] .

والمبرّد تلميذ المازني، وقد روى عنه القراءة، وروايات كثيرة في كتب اللّغة والأدب، وروى عنه أيضًا كتابه (التصريف) .

ولعلّ الأثر الحقيقي للمازني في المبرّد، يبدو جليًّا، في كتابه (المقتضب) ، ولكي نتلمّس هذا التأثير، لابدّ من استجلاء العلاقة بين كتابي (التصريف) و (المقتضب) من حيث المنهج ومن حيث المادّة الصّرفيّة.

أ من حيث المنهج:

"درس المبرّد (الكتاب) على أبي عمر الجرمي، ثمّ على أبي عثمان المازني، وكان تأثيره واضحًا عليه، في كتاب (المقتضب) ، الذي يمكن أن نعتبره تلخيصًا وتقريبًا لكتاب سيبويه، حاول فيه مؤلّفه تبسيط بعض المسائل التي وردت معقدةً ومتناثرةً في كتاب سيبويه وتنظيمها وتبويبها" [3] .

ولعل أبرز ما يلاحظ في هذا الكتاب،"هو تطوّر التفكير النّحوي الذي تجاوز تحليل الوضع اللغوي للمسموع، إلى افتراضات معقّدة جاءت تطبيقًا للقواعد التي أقرّها النّحو البصري" [4]

وقد كان المبرّد في"المقتضب"يؤثر أسلوب الإجمال ثمّ التفصيل، فيأتي مع (أنّ) المشددة بضمير الشأن، والكلام يستقيم من غير ضمير الشأن، من ذلك قوله:"اعلم أنّه ما كان كذلك ممّا استوت فيه زيادتان فإنّك في حذفٍ ..." [5] وقوله:"اعلم أنّه ما كان من ذلك، لا علامة فيه، فإنّك إذا صغّرته ..." [6] وقوله:"اعلم أنّه من قال في (أسود: أسيود) ، قال في (معاوية: مُعَيْوِية) ..." [7] . فيكرّر لفظ (اعلم) متبوعًا بـ (أنّ) المشدّدة لغاياتٍ تعليميّة، فمثل هذه العبارة تدعم أسلوب الإجمال الذي ينتهجه المبرّد، ثمّ يأتي التفصيل بعد وضع القواعد، ولعلّه أسلوب أستاذه المازني نفسه، فأبو عثمان اعتاد الإجمال في كثيرٍ من موضوعات كتابه ثمّ التفصيل فيها، لذلك نجد هذه العبارة تتكرّر كثيرًا في صفحات (التصريف) من ذلك قوله:"اعلم أنّ كلّ ما كان موضع الفاء منه واوًا، وكان فعلًا، وكان على فَعَل، فإنّه يلزم (يفعِل) " [8] وقوله:"واعلم أنّ (افتعل ومفتعلًا) وكلّ ما تصرّف منه، إذا بنيته ممّا فاؤه واوٌ أو ياءٌ، فأكثر العرب ـ وهي اللغة المشهورة ـ فيبدلون مكان الواو والياء تاءٌ، ثمّ يدغمونها في التاء التي بعدها، وذلك قولهم: اتّزن ويتّزن فهو متّزن ..." [9]

(1) - المبّرد"أديب النحاة", لـ أحمد حسنين القرني وعبد الحفيظ فرغلي علي, الهيئة المصريّة العامّة للتأليف والنشر, القاهرة , ط (1971 م) ص 56.

(2) - سرّ صناعة الإعراب, لابن جنّي, تح. د. حسن هنداوي, دار القلم, دمشق, ... ط 1 (1405 هـ, 1985 م) ج 1 ص 129 - 130 والمبرّد أديب النّحاة, ص 58.

(3) - ينظر تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب, لمحمّد مختار ولد ابّاه, مراجعة د. محمد توفيق أبو علي ونعيم علويّة, دار التقريب في المناهج الإسلامية, بيروت, ... ط 1 (1422 هـ, 2001 م) ص 157.

(4) - المرجع السّابق, ص 164.

(5) - المقتضب, لأبي العبّاس المبرّد, تح. محمد عبد الخالق عضيمة, عالم الكتب, بيروت, ط (د. ت) ج 2 ص 504.

(6) - المصدر السابق, ص 510.

(7) - المصدر السابق, ص 552.

(8) - تصريف المازني ص 178.

(9) - المصدر السابق, ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت