الصفحة 8 من 12

وقد جعل أبو علي موضوع التكملة،"الأبواب التي تشمل التغيير، الذي يلحق أواخر الكلم من غير أن يختلف العامل، وهذا التغيير يكون بتحريك ساكن، أو إسكان متحرّك، أو إبدال حرفٍ من حرفٍ، أو زيادة حرفٍ أو نقصان حرفٍ، ويقرّر أنّ هذا التغيير ليس بإعرابٍ، لأنّه غير حادث عن اختلاف العوامل". كما جعل موضوعها كذلك في"التغيير الذي يلحق أنفس الكلم وذواتها، ونحو ذلك التثنية والجمع الذي على حدّها، والنّسب، وإضافة الاسم المعتلّ إلى ياء المتكلّم وتخفيف الهمزة، والمقصور والممدود، والعدد والتأنيث والتذكير وجمع التكسير والتصغير والإمالة، والمصادر، وما اشتقّ منها من أسماء الفاعلين وغيرها، والتصريف والإدغام .." [1] ويتضّح هنا الاختلاف البيّن بين أبواب الفارسي التي درس فيها مباحث صرفية لم يتطرق إليها غيره ممن جاء قبله، وبين أبواب المازني، التي ينحصر مجال بحثها، فيما يطرأ على الكلمة من تغيير، من حذفٍ وزيادةٍ وقلبٍ وإبدال.

لذلك يمكننا أن نعد كتاب (التكملة) للفارسي صورة مثلى لتطوّر الدّراسات الصّرفيّة، وتجاوز ما أسس له الأوائل، فقد بدت أبوابه أكثر وضوحًا وشموليّةً، ممّا قدّمه التّصريفيون السّابقون. وقد اشترك المازني والفارسي، في وضع كتاب مستقلّ في الصّرف، دون أن يعني ذلك دعوة منهما لفصل الصّرف عن النّحو. قد يقول قائل: إنّ فصل كتاب (التكملة) عن (الإيضاح) ، قد يعني دعوة من الفارسي لفصل الصّرف عن النّحو، خصوصًا أنّ فترة تأليف الكتابين متباعدة. لكنّنا نجد هذا الاستنتاج غير دقيق، (فالتكملة) هي الجزء الثاني من (الإيضاح) ، وقفه أبو علي على فنّ التّصريف، وممّا يدلّ على أنّها من تمام الإيضاح، عنوانها (التكملة) ، الذي يدلّ على أنّها تتمّةٌ وتكملةٌ لشيء سبقها، أكمل بها أبو علي ما بدأ تأليفه، من (الإيضاح) ، بل نقل عنوانها.

ويدلّ على ذلك أيضًا أنّ أبا علي، أحال في صدر (التكملة) إلى (الإيضاح) ، بقوله:"وقد ذكرنا لك في الجزء الأوّل من كتابنا، الموسوم بكتاب (الإيضاح) " [2] ، وإنّ ياقوتًا وغيره، حين سردوا كتب الشيخ، عدّوا (الإيضاح) ، وسكتوا عن (التكملة"إيمانًا منهم أنّهما كتابٌ واحدٌ، لأنّ النسخ التي أخرجت عنها(التكملة) ، تحمل عنوان (الإيضاح) [3] ."

وإذا جاز أن يفصل بين شطري الكتاب، فلا يكون هذا إلاّ فصلًا لأبواب النّحو عن أبواب التصريف، وهو فصل نظريٌّ، إذ لا يقوم علمٌ منهما، إلاّ على بنيان أخيه.

وأمّا ما يُعترض به على هذا الرأي، من أنّ أبا علي جعل لكلِّ جزء مُقدّمة مفردة على حيالها، فدلّ هذا على أنّهما كتابان لا كتابٌ واحدٌ، فليس هذا ممّا يصحّ الاعتراض به، لأنّ مقدّمة (التكملة) ضربٌ من الدّعاء الذي ابتدأه، في صدر الاحتجاج، لعضد الدّولة، وهو ما ألّف له الكتاب، وفيها أيضًا نصّ على أنّ الاحتجاج، هو الجزء الأوّل، ولعلّ المدّة التي فصلت بين تأليف شطري الكتاب، هي ما حمل أبا علي على استئناف دعائه، لوليّ نعمته عضد الدّولة، الذي كان يعتقد فيه، ما يعتقد بسيبويه.

وأمّا تباين أسلوب الرّجل بين شطري الكتاب، فمردّه إلى حزونة فنّ التصريف، ولئن جاز أن يعترض على هذا التباين، بأنّ الذي استطاع أن يسهّل الإيضاح ويهذّبه من كتاب سيبويه، هذا التهذيب المحكم، القريب المأخذ، لا يعجزه أن يركب هذا المركب، في الشطر الثاني من كتابه. ويدمّث صعاب أمثلة التصريف، وهو بالغه لو أراده.

ولعلّ قول عضد الدّولة، لأبي علي، عندما أتاه بالإيضاح:"ما زدت على ما أعرف شيئًا ..." [4] ما يفسّر ما حمل أبا علي على العودة إلى أسلوبه، الذي تصطبغ به جميع تآليفه من الحزونة والتوعّر والإغماض، حتّى قال له عضد

(1) - أبو علي الفارسي, ص 541.

(2) - التكملة, ص 164.

(3) - ينظر معجم الأدباء, ج 2 ص 814, والتكملة, ص 19.

(4) - معجم الأدباء, ج 2 ص 813, وينظر التكملة, ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت