ولقد ذهب اهتمام اللغويين في العصر الحديث إلى تحليل اللّغة المستعملة في المحادثة اليومية بهدف الكشف عن الظواهر النحوية والأسلوبية الخاصة بها مع ربطها بالسياق الاجتماعي، أو المناسبة الخاصة بالمحادثة، وقد ثبت أنّ لسيبويه السبق إلى تحليل التراكيب اللغوية بالاعتماد على السياق الخارجي، فهو لا يُجيز أن تقول: هذا أنت ويجيز هذا هو معتمدا على بعد خارجي محض، فيقول: «ولا يكون لك أن تضمر هذا لأنّك لست تشير للمخاطب إلى نفسه، ولا تحتاج إلى ذلك وإنّما تشير له إلى غيره» [1] . ومن المعلوم -أيضا- أنّ قواعد النحو العربي إنما استنبطت من خلال الاستقراء الموسع والتتبع الدقيق لتصرفات العرب في كلامها، فما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب والنحو هو انتحاء سمت العرب في كلامهم، فكانت القاعدة في النحو العربي تحتكم إلى أسس عميقة انبنت عليها وتمثلت في ركنين أساسيين لكل ركن منهما ما يقابله وهما: القياس والإجماع، وبحسب قرب الشكل المنجز من هذا النموذج المزدوج أو بعده يكون الحكم عليه إمّا بالأصلية أو بالجوار أو بالمنع، وكل هذه أحكام تدل من حيث العدد والتدرج على المرونة في التعامل مع الظاهرة اللغوية، فليس في أصل القاعدة وجهان أحدهما صائب والثاني مخطئ كما يعتقد، بل فيها ثلاثة أحكام يكون فيها الجائز بابا وسيطا بين الصواب المطلق والخطأ المطلق [2] ، وهكذا قامت القاعدة في النحو العربي انطلاقا ممّا هو مستعمل من لغة العرب، فكانت أحكام القاعدة في الكتاب على شكل ثلاثية هرمية متوزعة بين الحد الذي يرتبط بالقياس المطرد، والجائز الذي لا يطرد فيه قياس وغير الجائز الذي لا يجد له مكانا داخل القياس. وكان سيبويه «حذرًا في إصدار الحكم الأخير على الكلام وإنّما كان يبحث له عن علل ولعلّ ذلك راجع إلى قرب زمن التقعيد من زمن الإنجاز» [3] ويمكن تمثيل مخطط القاعدة عند سيبويه على النحو الآتي:
(1) - سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 141.
(2) -توفيق قريرة، المصطلح النحوي وتفكير النحاة العرب، ص 243.
(3) -المرجع نفسه، ص 244.