فهرس الكتاب
نسق افتراضات هدفها مساعدة الباحث على التعامل مع التجربة والواقع المبني لا المعطى، مما أفرزه هذا التحول تشظي التصور المطلق للعقلانية وبروز عقلانيات جهوية تتمفصل مع الاتجاهات التخصصية في العلوم، بل له إمكانية تأسيس أنساق رمزية متباينة لا يجمعها إلا اتساق مقدماتها ونتائجها. وجماع الأمر يحصل التقدم في العلوم بفضل إبطال إجرائية المحاور القديمة أو إعادة استثمارها في صيغ تقنية جديدة، وهذا شأن التحول في اللسانيات التوليدية التي قطعت مع محورية البحث في اللغة، لتوجه اهتمامها إلى النحو وأخيرا نلاحظ أن محور أحادية أصل اللغات ساهم كثيرا في تعطيل نمو البحث اللساني، وتنضاف إلى ذلك طرائق مقاربة البنيات المعرفية والذهنية عند الإنسان التي كان ينظر إليها في البحوث الفلسفية التقليدية على نحو مخالف للبنيات العضوية، وإحدى النقلات الدالة في علم النفس المعرفي دراسة البنيات المعرفية بشكل مواز لمقاربة أعضاء الجسم، فحسب تشومسكي ينبغي أن تعالج اللغة البشرية:"بكيفية مماثلة لتلك التي سيدرس بها عضو مثل العين أو القلب، ساعيا إلى تحديد: 1) خاصياته لدى فرد معين، 2) خصائصه العامة التي لا تتغير من نوع لآخر، بغض النظر عن كل نقص واضح، 3) موقعه ضمن نسق بنيات من هذا النمط، 4) مجرى نموه لدى الفرد المعني، 5) الأساس المحدد تحديدا وراثيا لهذا النمو، 6) العوامل التي أدت إلى ظهور هذا العضو الذهني أثناء النمو". إذا كان انشغال النحو التوليدي بفطرية المعرفة البشرية يشكل النواة الصلبة لبرنامجه، فإن تشومسكي لا يفتأ يشدد على القطيعة مع التصورات الميتافيزيقية التي ترجع المعرفة التي يطورها ذهن الإنسان إلى ذات متعالية، وليس إلى أسباب وراثية متعلقة بالنوع البشري، فإذا كانت التصورات العقلانية مكسبا هاما في تاريخ الأنساق المذهبية للفكر الأوروبي، فإن التوجه الذي ينبغي أن يسلكه الدرس اللساني لمقاربة بنيات الفهم عن الإنسان يجب أن يكون استمرارا لذلك التاريخ من جهة اقتراضه للمواقف التي على اللسانيات أن تسلكها لفهم بنية الدماغ البشري، وانفصالا عنه من جهة تحويل النظر من المتعالي إلى الواقعي أي الأسباب الوراثية والنوعية المتعلقة بالجنس البشري والتي تؤدي إلى استعمال خلاق للغة، وحاصل الأمر، لم تحصل تلك القطيعة إلا بموجب تفاعلات وأزمات حصلت في مجال العلوم الطبيعية وبالضبط في