الصفحة 23 من 30

حقل البيولوجيا وعلم الوراثة والفيزيولوجيا، والتي أفرزت محاور جديدة في الفكر العلمي، دفعت البرنامج العقالني إلى تحويل مستويات النظر من المتعالي إلى المتجسد. ومن ثمة لا يمكن فهم المقدمات المعرفية في النحو التوليدي إلا حينما نكشف عن تلك الأزمات الفعلية في الفكر العقلاني الأوروبي، لذلك نزعم أن الإمساك بتلك اللحظات في تاريخ البرنامج العقلاني سبيلا إلى حصر الأصول العلمية للدرس التوليدي، ومن هذه الزاوية تأتي مشروعية التحليل المحوري للعلوم، سنحاول إذن تتبع المفاهيم المحورية للبرنامج العقلاني بدءا من القرن 18 وصولا إلى بداية القرن 20، وهدفنا موضعة الفكر التوليدي داخل إرث نظري وملامسة مياسم التقاطع من جهة المفاهيم والمناهج: 1) يمكن التمييز بين برنامجين علميين سادا في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 انصب مجال تفاسيرهما على الخصائص المعقدة للكائن الحي، أحد هذين البرنامجين ينطلق من فرضية أساسية وهي أن العضويات مزودة بشفرة وراثية تحدد الخصائص المطردة للنوع، وأن تلك الخصائص لا تأتي من الخارج أو المحيط، وإنما تنبثق من الطبيعة الداخلية والمبرمجة للنوع. بينما يسلك البرنامج الثاني طريقا مغايرا لتفسير الخصائص الظاهرية، ويعتقد أن البنية المنتظمة تأتي نتيجة سيرورة إعادة الضبط الذاتي المستمرة من خلال تفاعل بين البنيات الداخلية والتي ليست مهيأة وراثيا بكل الخصائص الملاحظة، لتصل إلى حالة التوازن النهائية.

2 -ظهر محور البنيات القبلية مع جوسييه في مجال علم النباتات، حيث تم إحداث أنموذج جديد لتوجيه التفسير العلمي يتمحور حسب بالماريني حول: -معالجة البنية الميكروسكوبية أو الصغرية للكائنات، أو التمظهرات الجزئية والنوعية للعضويات- كل تغيير في البنيات الداخلية، يعود نفسيره إلى القوانين الذاتية للعالم-الصغري أو الجزئي للكائنات، ولا يمكن إرجاعه إلى المحيط الخارجي، والقطيعة الإبستمولوجية حدثت مع العالم الطبيعي ويشمان:"ولأن الجزئيات الفرضية لا يمكن أن تنظم حسب اختيارات عشوائية، ولكن حسب خضوعها للقاعدة محددة سلفا وحسب علمي، لا يمكن لعالم أن يعزو هذا النظام المنسجم إلى قوة إلاهية .. وإنما إلى قوانين طبيعية داخلية". وسرعان ما استطاعت العلوم أن تحل لغز هذا النظام مع الاكتشاف الرائد للصبغيات، والثنائية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت