فهرس الكتاب
المفاهيم ووحدة الاتجاه.
ب) من جهة فرضيات العمل، إذ يمكن استنتاج اتصال النظرية التوليدية ببرامج البحث العلمية المعاصرة، حيث ترمي إلى استثمار نتائجها في دراسة البنيات المعرفية عند الإنسان، وانفصال عن الأفق المعرفي للأنساق العقلانية الفلسفية التي تربط فطريات المقولات الذهنية بمفاهيم متعالية، ولا تستضمر في برنامجها أي إمكانية للدراسة التجريبية لتلك الخصائص الفطرية المزعومة. وجماع الأمر نعتبر بعد بالماريني أن الدرس التوليدي وريث فكر عقلاني ظهرت مياسمه العلمية مع انطلاق الطبيعية في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، ومن ثم تهدف المقاربة للنظرية التوليدية إلى الحفر في الأصول العلمية والمعرفية للسانيات الديكارتية، وللتدليل على كون هذه اللسانيات تمتح من جهة المصطلحات ومناهج البحث العلمي من ذلك الإرث العلمي. لقد اعتبرنا من جهتنا أن ذلك الموروث العلمي استمرار لمحورية مفهومية عرفها الفكر الفلسفي عبر تاريخه، أي محورية العقلانية، والتي حول مجالها من المتعالي إلى التجريبي، ولم يحدث هذا التحول إلا موجب التقدم الحاصل في العلوم الطبيعية. ولأن برنامج هامبولت وياسبرسن وسابير .. ، انشغل بمسالة الكليات اللغوية كإطار لتوجيه البحث اللساني لم تكن عندهم اللسانيات جزءا من علم البيولوجيا، ولأن الدرس اللساني ظل حبيس التصورات الفلسفية للنحو العام، لم يكن بالإمكان وضع برنامج علمي متسق لدرس النحو الكلي، ولذلك كانت الانطلاقة التوليدية دالة في تاريخ اللسانيات الكارتيزية فهي استمرار للبرنامج أعلاه ولكن هذه الاستمرارية ليست ممكنة إلا من جهة تقاطع اللسانيات والبرنامج العقلاني في العلوم المعاصرة وذلك ما تستعلن عنه كتابات تشومسكي صراحة أو ضمنا، ومن هذه الجهة نشاطر الأستاذ الفهري في نعته للدرس التوليدي بالثورة المعرفية الحديثة، إذ ساهم بدراسته للغة البشرية وفق المنحى الديكارتي في الإبانة عن طبيعة أنساق المعرفة والاعتقاد في الذهن البشري، بل له التقدم التقني للحوسبة وأساليب بناء النماذج الصورية.
تتسم خصوصية المقاربة المحورية للسانيات التوليدية، كما قدمت من خلال اللساني الإيطالي بالماريني، في إدماج مستوى جديد للتحليل ينضاف إلى المستوى الوصفي