الصفحة 26 من 30

والمستوى الميتودولوجي من منظور الإبستمولوجيين الوضعيين، وهو المستوى المحوري، فإذا كانت المفاهيم الواصفة والقضايا العلمية لها إسقاطات على البعد التجريبي من حيث جواز روزها وإبطالها، وإسقاطات تحليلية من منظور رياضي-صوري من جهة اتساقها الداخلي وتوظيفها لآليات منطقية ونمذجية معمول بها في العشيرة العلمية، فإن البعد المحوري يظل مهمشا في تاريخ المقاربات الإبستمولوجية للعلوم. لذلك لن تتكامل الرؤية المتسقة لبرنامج البحث العلمي في اللسانيات إلا بإدخال مستوى محوري، وهذه الرؤية تنسحب على الخطابات الإبستمولوجية التي تناولت الدرس التوليدي من جهة مقدماته الفلسفي والتصورية، ومن جهة آلياته الاستدلالي، وهمشت الأصول المحورية التي شكلت الركيزة الأساسية للبرنامج التوليدي وهي محاور العقلانية المعاصرة في صيغتها المعدلة مع البيولوجيين وعلم النفس المعرفي.

مثل هذا التحليل يمكن أن تستثمر نتائجه لدراسة تاريخ اللسانيات، إذ الغاية من إقامة تأريخ للفكر اللغوي، لا تنحصر في الوقوف عند القضايا اللسانية المناقشة وإنما في الكشف عن الأفكار والمحاور الموجهة للبحث اللغوي، وهكذا قد يبدو أن تاريخ الأفكار اللسانية يضم اتجاهات متعارضة، إلا أن الأصول والمقدمات التي تؤسس عليها أقوالها العلمية قد تكون واحدة، إذا كانت تجمعها محاور موحدة، وعلى العكس نفهم القطيعة في تاريخ اللسانيات على أنها تأسيس لمحاور جديدة في الدرس اللغوي، كمحورية اللسان كموضوع مجرد ومبنين ومتمفصلة مستوياته، ومحورية النحو كموضوع للسانيات بدل اللغة ..

يندرج هذا الهاجس ضمن إشكاليات اللسانيات العربية التي تروم:"بناء نظرية تؤرخ للفكر اللغوي العربي، بعيدا عن الإسقاطات الظرفية، بتبني منهجية المحاور والنفاذ إلى الأفكار الدالة والمبادئ المحورية الموجهة للدرس اللغوي عند العربي". إذ قد نجد محوريات قديمة تتكرر في خطابات حديثة، كمشكل علاقة الوظيفة بالدور الدلالي، والإعراب بالدور الدلالي، وعلاقة الشكل بالمعنى والبنية بالوظيفة التداولية، وهي مشاكل نظرية نعثر عليها في جل الأنحاء القديمة عربية أو غير عربية:"هناك تقارب على مستوى المحاور [بين اللسانيات القديمة والحديثة] ، إنما على مستوى الظواهر وعلى مستوى صيغ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت