فهرس الكتاب
الصورية الممكنة للغة الطبيعية. وجماع الأمر، لقد ساهمت التطورات المعرفية في حقل المنطق الرياضي في بلورة قضايا إبستمولوجية مدارها اللغة الطبيعة والنماذج الصورية الممكنة لتمثيلها. إلا أن هذا التحول أتى بموجب التجديد الحاصل في اللسانيات نفسها، إذ لم يكن بالإمكان صياغة تلك القضايا، لولا النظر إلى موضوع اللسانيات كبنية شكلية مجردة ومبنينة في مختلف المستويات اللغوية (الصوتية والصرفية والتركيبية .. ) :"فالنتيجة الضمنية لهذا الطرح، تتعلق بتقييد المقاربة العلمية للغة لبناء النماذج المجردة لتلك المستويات ولإمكانيات تمفصلها المبنين مع هيلمسليف ومارتيني، إلى حد نفي قدرة المعطيات على دحض أو تأكيد نظرية لسانية، فدور النظرية عند هيلمسليف هو تحقيق الشمولية وعدم التناقض والانسجام، فهي مرجع بسيط للوصف، واستراتيجية لاختزال المفاهيم".
لكن مسار الدرس اللساني المعاصر يقدم لنا نظريات متضاربة، تختلف بالنظر إلى ما تعده نموذج مجرد للبنية اللغوية، وهذا التعدد في الأنساق الرمزية يستدعي تدخل إبستمولوجية للنماذج الصورية تبين قدرتها على دراسة الخصائص والمبادئ الانتظامية المفترضة في اللغات الطبيعية، وتقويم مفترضاتها النظرية حول سيرورة التواصل اللغوي. يرى كرانجر أن هدف إبستمولوجية اللسانيات الإجابة عن الأسئلة التالية، وتحديد حلول مناسبة للقضايا المتصلة بها:
1 -ما هي الخصائص التي يجب على كل نموذج مجرد لتمثيل اللغة كنسق أن يستجيب لها؟
2 -هل يمكن بلورة بنية كلية للغات الطبيعية مع التنوع الواقعي للغات الطبيعية وتعقيد الأنحاء؟
3 -ينبغي المفاضلة بين ثلاثة نماذج للغة الطبيعية: نموذج استقرائي يصف نسق اللغة ونموذج تأليفي يأخذ بعين الاعتبار تعقيد انتظام اللسان من الناحية التركيبية أو الصوتية أو الصرفية، ونموذج كلوسيماتي غارق في التجريد، إذ يعود أمر المفاضلة إلى إبستمولوجية اللغة الرمزية التي تصوغ قيودا وفرضيات صارمة حول نسق وتبنين الألسن الطبيعية.