أو السانتكس نظرة قواعد وظيفة، ولعل ابن خلدون، وهو يقدم مرتبة النحو على مرتبة اللغة في الأهمية، يشير إلى أن اللغة قد تختل في بعض مستوياتها، ومع ذلك تؤدي وظيفتها كالعامية مثلا، بل نستطيع الجزم بأنه قد فاق اللغويين القدماء بعامة واللغويين العرب بخاصة، وسبق المعاصرين من خلال إدراكه إدراكًا عجيبًا الفرق بين القواعد السانتكسية من جهة، والملكة اللغوية من جهة ثانية، أي بين ما هو سليقي وطبع بصورة آلية، وبين ما هو تطبيع يفتقر إلى هذه الملكة، وبالتالي فهو محتاج إلى قوانينها كلما أراد المتكلم الذي لا يملك هذه الكفاءة أن يؤلف كلامًا شفويًا كان أم كتابيًا، ولعل نص ابن خلدون أوضح من تحليلنا له:» والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علمًا ولا يحكمها عملًا، ... وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل، ... فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة « (14) .
وابن خلدون يرفض رفضًا قاطعا أن العرب كانت تنطق بالطبع، بل حصل لهم ذلك باستقرار الملكة ورسوخها في محالها حتى صارت كأنها طبيعة وجبلة"يظنّ كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابًا وبلاغة أمر طبيعي ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام، ... وهذه الملكة ـ كما تقدم ـ إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية التي استنبطها أهل صناعة اللسان، فإن هذه القوانين إنما تفيد علمًا بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها" (15) .